السويداء_مملكة ومنتديات روح السـويـداء
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك
شكرا
ادارة المنتدي

السويداء_مملكة ومنتديات روح السـويـداء



 
راديوالرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالتسجيلدخولTV

الكنترول :
أهلا ً وسهلا ً بكم  في مملكة ومنتديات روح السويداء ...  rirù,ahdkh2 , mazenيوتا محمد,lil eng,أم حمود , سونا , مجد الجولان , nice_guy,meral , sally , waledr,المغترب الحزين , مغترب 20 , ahlam bareaa. صدى حنين . أنس نصار , احمد الاحمد , tamer perss , lazhar hmedi اسامه , aktham , شبيه الريح , عرفات غر , نحب بلادي ,لولي جاموس , معروف 75 , خالد الأسطورة , تالا ن , وليد العنداري,salah saberana,ابن السويداء ,سراب عابر,سيدالامنيات , ابوغيث, lolo . raja , GOGYYY , اسطورة الحب , nizar , نايف عزام , شرف , اسامة العدل ,ajwad , نـور المـلـك , صحراء , ضياء الروح , متمرد , المغترب..,اريج العيسمي,أدهم الشاهين , زرقاء اليمامةraafat, mohannad8 ,  ataftar  ,  samar,ma49, , سمو السمر , jana, halaelghor , الحب المستبد, مرفأ الذكريات , الاء , زياني سعد ,qosae, ,وصال , زهرة الأقصى ,عدي ابو عجيب ,بنت الجبل ,ندوش , ابو فهد  .... مع تحيات إدارة الموقع ...
الكنترول : التسجيل في المنتدى بأسم واضح ومناسب لقوانين المنتدى وتدوين بريد إلكتروني صحيح لكي يتم الموافقة على التسجيل ...

شاطر | 
 

 قصص و لطائف الأقدمين

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
النسيم الطيب
عضو مبتدىء
عضو مبتدىء
avatar

أحترام قوانين المنتدى
عدد المساهمات : 50
تاريخ التسجيل : 12/05/2010
منتديات روح السويداء
لا تنسى ذكر الله لا تنسى ذكر الله

مُساهمةموضوع: قصص و لطائف الأقدمين   الإثنين مايو 31, 2010 2:21 am

أخبار المجنون وصاحبته ليلى

or=blue]]قد اختلف في اسمه هل هو عامر أو مهدي أو الأقرع أو معاذاً بن الجعد، والصحيح الأول وفي نسبه عامري أو كلابي أو جعدي أو قشيري أو المجانين متعددة أو هما اثنان في بني عامر أو لم يكن أحد وإنما هو امرؤ تعشق واستكبر عن أن يصرح باسمه واسم محبوبته فموه بالمجنون وليلى والصحيح أنه من بني عامر وهو عامر بن ملوح بن مزاحم يتصل نسبه عند صاحب الأغاني إلى كعب بن ربيعة بن صعصعة كان مديد القامة جعد الشعر أبيض اللون ولم ينله الهزال والجنون وتغير اللون إلا من العشق، وصاحبته هي ليلى بنت مهدي بن سعد تتصل بنسبه في كعب بن ربيعة وكنيتها أم مالك وهذا أخذ من قوله ذلك في شعره كثيراً نحو قوله:

تكاد بلاد اللّه يا أم مالك بما رحبت يوماً عليّ تضيق

وهذا كاستدلالهم بأن اسم أبيه ملوح بن مزاحم وأنه مات قبل اختلاط عقله فعقر عليه ناقة بقوله:

عقرت على قبر الملوّح ناقتي * بذي السرح لما أن جفاه أقاربه
وقلت له كوني عقيراً فإنني * غداة غد ماش وبالأمس راكبه
فلا يبعدنك اللّه يا ابن مزاحم * فكل امرىء للموت لا بد شاربه

وذكر أن سبب عشقه لليلى أنه مر يوماً على ناقة له وعليه حلتان من حلل الملوك بامرأة من قومه وعندها نسوة يتحدثن فأعجبهن به فاستنزلنه للمنادمة فنزل وعقر لهن ناقته وأقام معهن بياض اليوم فأقبل فتى اسمه منازل يسوق غنماً فانصرفن إليه وتركن المجنون فقام مغضباً وأنشد:

أأعقر من جرّا كرائم ناقتي * ووصلي مقرون بوصل منازل
إذا جاء قعقعن الحليّ ولم أكن * إذا جئت اخفوا صوت تلك الخلاخل

فقوله من جرا وكرائم يعني من أجلها وكرائم اسم المرأة التي كن عندها و يقول قد أظهرن صوت الحلي حين جاء منازل وهذه كناية عن قيامهن له دليل فيه على تعلقه بليلى، وإنما الدليل فيما رواه صاحب نزهة المشتاق قال لما دعته النسوة إلى النزول نزل وجعل يحادثهن ويقلب طرفه حتى وقعت عينه على ليلى فلم يصرف عنها طرفاً وشاغلته، فلم يشتغل ثم قال لها هل عندكن ما تأكلن قالت لا، فعمد إلى الناقة فنحرها وقطعها وجاءته لتمسك معه اللحم فجعل يحز بالمدية في كفه وهو شاخص فيها حتى أعرق كفه فجذبتها من يده ولم يدر، ثم قال لها ألا تأكلين الشواء قالت نعم فطرح من اللحم شيأ ً على الغضى وأقبل يحادثها، فقالت له
أنظر إلى اللحم هل استوى أم لا فمد يده إلى الجمر وجعل يقلب بها اللحم فاحترقت ولم يشعر فلما علمت ما داخله صرفته عن ذلك ثم شدت يده بهدب قناعها ثم ذهب وقد تحكم عشقها من قلبه .
وقيل أنها كانت مغرمه بأحاديث الناس والأشعار وكان هو أروى الناس لذلك فكانت تستدعيه لتسمع منه وكان يجيبها إلى ذلك فتداخلت بينهما المحبة وفي نديم المسامرة أنهما انتشئا صغيرين يرعيان الغنم بدليل قوله:

تعلقت ليلى وهي ذات تمائم * ولم يبد للاتراب من ثديها حجم
صغيرين نرعى إلبهم يا ليت أننا * إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم

فتحابا وأنها حجبت عنه فداخله جنون وعلى كل الطرق لما عرف كل منهما ما عند الآخر وتمكنت المحبة منهما جعل يأتيها نهاراً قبل الحجب ويذهب ليلاً وفي ذلك يقول:

نهاري نهار الناس حتى إذا بدا * لي الليل هزتني إليك المضاجع
أقضي نهاري بالحديث وبالمنى * ويجمعني بالليل والهم جامع

قلت وقد تقدم أن البيتين لقيس بن ذريح وصرح في نزهة العشاق بذلك وقال أن المجنون كان يتمثل بهما وهذا هو الصحيح فإنهما كان متعاصرين حتى نقل في الأغاني أن قيساً مر بالمجنون وهو في بدء مخالطة العقل والانفراد وكان كل منهما يشتهي لقاء صاحبه فسلم عليه فلم يرد فعرفه بنفسه فقام إليه واعتنقه وتباكيا واشتكى كل إلى الآخر ما عنده فقال المجنون لقيس أن حي ليلى قريب فهل لك أن تبلغها سلامي فمضى حتى وقف بها ونسب نفسه فتعارفا وبلغها فأخبرته أن وجدها به أعظم، ولكن قالت أنا عاتبة عليه حيث يقول:

أتت ليلة بالغيل يا أم مالك * لكم خير حب صادق ليس يكذب
إلا إنما أبقيت يا أم مالك * صدى أينما تذهب به الريح يذهب

فأي ليلة كانت ومتى اختليت معه بالغيل أو غيره فقال لها لا تحمليه على ما تقول الناس وانصرف قيس ليخبره فلم يجده وكان المجنون عند أبيه أعظم منزلة من اخوته وكان أبوه ذا ثروة فدفع له خمسين بعيراً وراعيها في مهر ليلى فلم يقبل أبوها و العرب كانت تكره تزويج اثنين انتشرت أخبارهما بالمحبة فخيروها بينه وبين رجل اسمه ورد وهددوها على أن تختار الأخير ففعلت كارهة وفي ذلك يقول المجنون:

ألا يا ليل إن ملكت فينا * خيارك فانظري لمن الخيار
ولا تستبدلي منا دنيا * ولا بر ما إذا حث القتار
يهرول في الصفير إذا رآه * وتعجزه ملمات كبار

وأبصر يوماً في طريقه إلى زيارتها جارية عسراء فتطير وأنشد:

وكيف يرجى وصل ليلى وقد جرى * بجد القوى من ليل أعسر حاسر
صريع العصا جدب الزمان إذا انتحى * لوصل امرىء لم تقض به الأواطر

وشكا ذلك إليها فقالت لا بأس عليك والله لا اجتمعت بغيرك إلا كارهة وكانت قبل هذا القول قد امتحنته لتنظر ما عنده من المحبة لها فدعت شخصاً بحضرته فسايرته أو صرفت وجهها عنه إلى غيره ثم نظرته قد تغير حتى كاد أن يتقطر فأنشدت تقول:

كلانا مظهر للناس بغضاً * وكل عند صاحبه مكين
وأسرار الملاحظ ليس تخفى وقد تغري بذي اللحظ العيون
وكيف يفوت هذا الناس شيء وما في الناس تظهره العيون

فسر بذلك حتى كاد أن يذهب عقله فانصرف وهو يقول:

أظن هواها تاركي بمضلة * من الأرض لا مال لدي ولا أهل
ولا أحد أفضى إليه وصيتي * ولا صاحب إلا المطية والرحل
محا حبها حب الأولى كن قبلها * وحلت مكاناً لم يكن حل من قبل

واستشهد شخصاً عن عروة بن حزام فأخبره بحاله وأنه مات براحة فتعجب من كثرة ذكر الناس له مع حسن حاله في العشق وأنشد:

عجبت لعروة العذري أمسى * أحاديثاً لقوم بعد قوم
وعروة مات موتاً مستريحاً * وها أنذا أموت كل يوم

ولما اشتهر أمرهما في العرب وشاع شعره فيها منعه أهلها الزيارة وكان في حي ليلى امرأة من بني عامر قد تزوجها رجل من حريش ومات عنها وقد ترك لها صبية فكان يأتيها المجنون يتعرف منها أخبار ليلى فبلغ أهلها ذلك فزجروا المرأة وجاء المجنون فأخبرته فأنشد متمثلاً بيت امرىء القيس وضم إليه ثانياً له:

أجارتنا إنا غريبان هنا * وكل غريب للغريب نسيب
فلا تزجريني عنك خيفة كاشح * إذا قال شراً أو أخيف لبيب

ثم تركها وكان يأتي غفلات الحي فلما علموا بذلك شكوه إلى الخليفة مروان فكتب إلى عامله بهدر دمه إذا وجد عند ليلى فقرؤا عليه ذلك فأنشد:

لئن حجبت ليلى وآلى أميرها * عليّ يميناً جاهداً لا أزورها
وأوعدني فيها رجال أبوهم * أبي وأبوها خشنت لي صدورها
على غير شيء غير إني أحبها * وإن فؤادي عند ليلى سميرها

ولما يئس من زيارتها قلق لذلك قلقاً أدى لزوال عقله فهام على وجهه يلعب بالتراب والعظام لا يذكر غير ذكرها وأنها جزعت لذلك جزعاً أدى إلى سقمها فحج بها أهلها فرآها ثقفي فخطبها فأجابوه ونمى إلى المجنون ذلك فأنشد:

ألا أن ليلى العامرية أصبحت * تقطع إلا من ثقيف حبالها
هم حبسوها محبس البدن وأبتغي * بها المال أقوام ألا قل مالها
إذا ما التقت والعيس صفر من الثرى * من العين جلى عبرة العين حالها

و قال :

خليلي هل من حيلة تعلمانها * فيدنى بها تكليم ليلى احتيالها
فإن أنتما لم تعلماها فلستما * بأول باغ حاجة لا ينالها
كان مع الركب الذين اغتدوا بها * غمامة صيف زعزعتها شمالها
نظرت بمفضى سيل حوضين والضـ * حى تحث بأطراف المحارم آلها
بمنهلة الأجفان هيج شوقها * مجامعة الآلاف ثم رآلها
إذا التفت من خلفها وهي تعتلي * على العيس جلى عبرة العين حالها

وحين تحقق عنده تزويجها أنشد:

دعوت إلي دعوة ما جهلتها وربي بما تخفي الصدور خبير
لئن كان يهدي برد أنيابها العلا لا فقر مني إنني لفقير
فقد شاعت الأخبار إن قد تزوجت فهل يأتيني بالطلاق بشير

وجعل يمر ببيتها فلا ينظر إليه فأنشد:

ألا أيها البيت الذي لا أزوره * وإن حله شخص إليّ حبيب
هجرتك اشفاقاً وزرتك خائفاً * وفيك عليّ الدهر منك رقيب
سأستعتب الأيام فيك لعلها * بيوم سرور في الزمان تؤب
وأفردت إفراد الطريد وباعدت * بي النفس حاجات وهن قريب
لئن حال واش دون ليلى لربما * أتى اليأس دون الأمر فهو عصيب
ومنيتني حتى إذا ما رأيتني * على شرف للناظرين يريب
صددت وأشمت العدوّ بصرمنا * أثابك يا ليلى الجزاء مثيب

وحين بلغه نقلها إلى الثقفي قال :

كان القلب ليلة قيل يغدى * بليلى العامرية أو يراح
قطاة غرّها شرك فباتت * تجاذبه وقد علق الجناح
فلا في الليل نالت ما ترجى * ولا في الصبح كان لها براح

اجتمع إلى المجنون عزوة من قومه ممن كان ينادموه حال صحته فعزموا على أن يسافروا به متنزهين في أحياء العرب ليذهب ما به فساروا وهو معهم تعاوده الصحة دوراً والجنون دوراً وهم يردون كل منتزه ويعرضون عليه من بنات العرب كل من أجمع على حسنها وأنهم غفلوا عنه ليلة ثم افتقدوه فرأوه قد ذهب , فركب ابن عم له في طلبه فرآه عنده منحدر ٍ وبين يديه ظبية لا حراك بها وهو يمسح عنها التراب ويقبلها ويبكي :

أيا شبه ليلى لا تخافين إنني لك اليوم من وحشية لصديق

فقال له اذهب بنا فلم يجب فقال اذهب لنمر بليلى فقام معه فلما جاء إلى أصحابه جلس متفكراً لا
يخاطبهم حتى جاء الليل فلما كان السحر هبة نسمة وأبرق برق مما يلي حي ثقيف فأنشد:

طربت وشاقتك الهمول الدوامع * غداة دعا بالبين أسفع نازع
شجاه نعياً بالفراق كأنه * حريب سليب نازح الدار جازع
فقلت الا قد بين الأمر فانصرف * فقد راعنا بالبين قبلك رائع
سقيت سماماً من غراب فإنني * تبينت ما أخبرت أذهو واقع
ألم تر أني لا محب ألومه * ولا ببديل بعدهم أنا قانع
ألم تر دار الحي في رونق الضحى * بحيث انحنت للهضبتين الأجارع
وقد يتناءى الألف من بعد صحبة * ويصدع ما بين الخليلين صادع
وكم من هوى أو جيرة قد ألفتهم * زماناً فلم يمنعهم البين مانع
كأني غداة البيت ميت حوية * آخر ظما سدت عليه المشارع
يخلص من أوصال ماء صبابة * فلا الشرب مبذول ولا هو نافع
وبيض تطلى بالعبير كأنها * نعاج الفلا جيبت عليها البراقع
تحملن من وادي الاراك وأومضت * لهن بأطراف العيون المراتع
فما جئن ربع الدار حتى تشابهت * هجائنها والجون منها الجوامع
وحتى حملن الجور من كل جانب * وخاضت صدور الرقم منها الأكارع
فلما استوت تحت الخدود وقد جرى * عبير ومسك بالعرانين رادع
أشرن بأن حثوا الجمال فقد بدا * من الصيف يوم لاقح الظل مانع
فلما لحقنا بالحمول تباشرت * بنا مقصرات عاب عنها المطالع
يعرضن بالدل المليح وأن يرد * خباهن مشغوف فهن موانع
فقلت لأصحابي ودمعي مسبل * وقد صدع الشمل المشتت صادع
أليلى بأبواب الخدور تعرضت * لعينيّ أم قرن من الشمس طالع

ومرض قبل الاختلاط فقلق قلقاً شديداً ودخل عليه جماعة للعيادة فسمعوه ينتحب بأشد
تحرق وتوجع وينشد:

ألا أيها القلب الذي لج هائماً * بليلى وليداً لم تقطع تمائمه
أفق قد أفاق العاشقون وقد أبى * لما بك أن تلقى طبيباً تلائمه
فما لك مسلوب العزاء كأنما * ترى نأي ليلى مغرماً أنت غارمه
أجدك لا ينسيك ليلى ملمة تلم ولا ينتسيك عهداً تقادمه

فاستتروا حتى أتم نشيده ودخلوا عليه فحادثوه في السلو فزاد في الهيام ولما عوفي جعل يعاود
موضعها ويتمرغ في التراب ويبكي إلى الليل وعزم على التوحش والخروج فراجع ابن عم له في
ذلك فكان يعزم عليه أن لا يفعل ويشاغله إلى أن بلغه أن ليلى دخلت إلى جارة لها فنضت أثوابها
واغتسلت ونظرت إلى نفسه وقالت ويح ابن الملوح لقد علق بي عظيماً على غير استحقاق فأنشدك الله أصادق هو في وصفي أم كاذب فقالت بل صادق ثم خرجت من عندها وعادت لأخذ سواك نسيته فلما صار في يدها قالت سقى الله من أعطانيه فقالت لها جارتها ومن أعطاكيه قالت قيس فخرج هائماً وأنشد:

نبئت ليلى وقد كنا نبخلها * قالت سقى الله منه منزلاً خربا
قالت لجارتها يوماً تسائلها * لما استحمت وألقت عندها السلبا
يا حبذا راكباً كنا نهش له * يهدي لنا من أراك الموسم القضبا
ناشدتك اللّه ألا قلت صادقة * أصادق وصفه المجنون أم كذبا

و يقال أنه وقف أمام سيل ٍ من الماء بعد أن أمطرت السماء يقول :

جرى السيل فاستبكاني السيل إذ جرى * وفاضت له من مقلتيّ غروب
وما ذاك إلا حين أيقنت أنه * يكون بواد أنت منه قريب
يكون أجاجا دونكم فإذا انتهى * إليكم تلقى طيبكم فيطيب
فيا ساكني أكناف نخلة كلكم * إلى القلب من أجل الحبيب حبيب
أظل غريب الدار في أرض عامر * إلى كل مهجور هناك غريب
وإن الكثيب الفرد من أيمن الحمى * إليّ وإن لم آته لحبيب
ولا خير في الدنيا إذا أنت لم تزر * حبيباً ولم يطرق إليك حبيب

وقيل إن آخر مجلس للمجنون من ليلى أنه لما اختلط عقله ومزق ما عليه وتوحش جاءت أمه إليها
فأخبرتها بذلك وسألتها أن تزوره فعساها أن تخفف ما به فقالت أما نهاراً فمتعذر خيفة أهلي وسآتيه ليلاً فأما أمكنتها الفرصة أتته وهو مطرق يهذي فسلمت عليه ثم قالت له:

أخبرت أنك من أجلي جننت وقد فارقت أهلك لم تعقل ولم تفق

فرفع رأسه إليها وأنشد:

قالت جننت على رأسي فقلت لها * الحب أعظم مما بالمجانين ِ
الحب ليس يفيق الدهر صاحبه * وإنما يصرع الانسان في الحين ِ
لو تعلمين إذا ما غبت ما سقمي * وكيف تسهر عيني لم تلوميني

و بعد أن فارقته هام من مع الوحش وقيل سئل عن سبب خروجه فقال لقيتها يوماً فشكيت إليها ما نزل بي من حبها وقلت إن لم ترحميني ذهب عقلي فقالت هو المطلوب فهمت لمرادها وقيل كان هيمانه مقاصة لقوله:
قضاها لغيري وابتلاني بحبها فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا

و يقال أن أحدهم مر بخيمة من خيام العرب يتلظى بها من حر القيظ و يرتوي , فسألته امرأة من الداخل عن نسبه فقال من بني الجريش فرفعت الستار و إذ بامرأة كأنها البدر فقالت أتعرف رجل فيهم اسمه بقيس فقال نعم عرفته مجنونا ً يسير بين الوحوش و لا يعقل حتى يذكر له ليلى فأغشي عليها و ووقعت على الأرض و لما استفاقت أنشدت :

ألا ليت شعري والخطوب كثيرة متى رجل قيس مستقل فراجع
بنفسي من لا يستقل برحله ومن هو إن لم يحفظ اللّه ضائع
ولما يأس من ليلى حين ارتحلت مع زوجها واشتد هيمانه أجمع قومه أن يتقدموا إلى أبيه في حمله
إلى مكة فعلّ الله أن يخفف عنه، ففعل وسار معه ابن عمه زياد بن كعب فمروا بحمامة على دوحة تنوح فوقف المجنون صاغياً لها ويخلف معه ابن عمه فقال له سر بنا فقد أبعد الرفاق فتنفس الصعداء وأنشد:

أأن هتفت يوماً بواد حمامة * بكيت ولم يعذرك بالجهل عاذر
دعت ساق حر بعدما غلت الضحى * فهاج لك الأحزان إن ناح طائر
تغنى الضحى والصبح في مر حجنة * كثاف الأعالي تحتها الماء حائر
كان لم يكن بالغيل أو بطن ايكة * أو الجزع من قول الاشاءة حاضر
يقول زياد إذ رأى الحي هجروا * أرى الحي قد ساروا فهل أنت سائر
وإني وإن غال التقدم حاجتي * ملم على أوطان ليلى فناظر

ودخل مكة فنظر إلى الناس وهم يدعون ربهم محرمين فأنشد:

دعا المحرمون اللّه يستغفرونه * بمكة وهنا إن تمحى ذنوبها
وناديت أن يا رب أول سؤلتي * لنفسي ليلى ثم أنت حسيبها
فإن أعط ليلى في حياتي لا يتب * إلى اللّه خلق توبة لا أتوبها

فزجره أبوه عن ذلك وأمره أن يدعو الله أن ينسيه ذكرها وأخذه حتى أمسكه أستار الكعبة ثم قال له قل اللهم انسني ذكرها وامح من قلبي حبها فقال اللهم اجمعني بها وارزقني حبها وزدني بها كلفأ وفيها تلفاً وأنشد مكملاً للأبيات السابقة:

يقر لعيني قربها ويزيدني * بها عجباً من كان عندي يعيبها
فكم قائل قد قال تب فعصيته * وتلك لعمري توبة لا أتوبها
فيا نفس صبر الست واللّه فاعلمي * بأول نفس غاب عنها حبيبها

ولما اجتمع الناس بمنى سمع هاتفاً يهتف بليلى فخر مغشياً عليه إلى الصباح ثم أفاق متغيراً حائل
اللون وأنشد:

عرضت على نفسي العزاء فقيل لي * من الآن فايأس لا أعزك من صبر
إذا بان من تهوى وأصبح تائباً * فلا شيء أجدى من حلولك في القبر
وداع دعا إذ نحن بالخيف من مني * فهيج أحزان الفؤاد وما يدري
دعا باسم ليلى غيرها فكأنما * أطار بليلى طائراً كان في صدري
دعا باسم ليلى ضلل اللّه سعيه * وليلى بأرض عنه نازحة قفر

ثم انساب منهم وكانت هذه سياحته الكاملة فجعل يقتات بعشب البر حتى طالت أظفاره وغطاه شعره فألفته الوحوش فكان يرد الماء معها ثم يهيم على وجهه حتى يقع بالشام فيرى أقواماً وأرضاً ينكرها فيقول أين جبل توباد من بني عامر وهو جبل. كان يرعى هو وليلى عنده الغنم فيقولون له أين أنت من توباد ويعرضون عليه الثياب والطعام فيأبى ويقول دلوني عليه فيرحمونه ويقولون له اتبع نجم كذا يوصلك إليه فيمضي حتى يقع باليمن فيكون له مثل ذلك إلى أن يظفر أحياناً بالجبل فينشد حين ينظره:

وأجهشت للتوباد حين رأيته * وكبر للرحمن حين رآني
وأذريت دمع العين لما عرفته * ونادى بأعلى صوته فدعاني
فقلت له قد كان حولك جيرة * وعهدي بذاك الصرم منذ زمان
وقلت له أين الذين عهدتهم * بقربك في حفظ وطيب أمان
فقال مضوا واستودعوني ديارهم * ومن ذا الذي يبقى على الحدثان
وإني لابكي اليوم من حذري * غداً فراقك والحيان مؤتلفان
سجالاً وتهتاناً ووبلاً وديمة * وسحاً وتسجالاً وتنهملان

وعن فتى من قيس أو هو رباح بن مالك قال لما أخذ المجنون إلى مكة للاستشفاء كما مر مررت
يوماً وإذا أنا بجماعة قد تعلقوا بشخص متغير اللون ناحل البدن وقد هم أن يلقي نفسه من جبل فسألت عنه فإذا هو المجنون خرج ليتنسم صبا نجد فقلت علام تحبسونه قالوا نخاف أن يجني على نفسه ولو تقدمت إليه فأخبرته أنك من نجد أسكنت روعه ففعلت فجعل يسألني عن موضع موضع ويبكي أحر بكاء ثم أنشد:

ألا حبذا نجد وطيب ترابها * وأرواحها إن كان نجد على العهد
ألا ليت عشري عن عو يرضي قبا * لطول الليالي قد تغيرتا بعدي
وعن جارتينا بالنخيل إلى الحمى * على عهدنا أم لم يدوما على العهد
وعن علويات الرياح إذا جرت * بريح الخزامى هل تهب على نجد
وعن أقحوان الرمل ما هو صانع * إذا هو أثري ليلة بثرى جعد
وهل أسمعن الدهر أصوات هجمة * تطالع من وهد خصيب إلى وهد
وهل انغضن الدهر أفنان لمتي * على لاحق المتنين منذ لد الوخد

ومر يوماً على جبلي نعمان وهو موضع من نجد به جبلان ليسا بالعظيمين بينهما فاصل يسير فقال لرفقة معه هذا مكان يقرب من منزل كانت تنزل به ليلى قال فأي الرياح تهب منه قالوا الصبا فحلف لا يبرح من مكانه حتى تهب فمضوا وتركوه ثم عادوا بعد ثلاث فأقاموا معه حتى هبت فأنشد:

أيا جبلي نعمان باللّه خليا * سبيل الصبا يخلص إليّ نسيمها
أجد بردها أو تشف مني حرارة * على كبد لم يبق إلا صميمها
فإن الصبا ريح إذا ما تنسمت * على نفس مهموم تجلت همومها

واجتمع إليه النساء يوماً فقلن له أما آن لك أن تصرف عنك هوى ليلى ليرد إليك عقلك فإنها امرأة
من النساء وفينا عنها كفاية فاختر إحدانا فقال لو ملكت لفعلت ولكني مغلوب فقلن ما أعجبك منها قال كل شيء رأيته وسمعته فقلن صفها فأنشد:

بيضاء خالصة البياض كأنها * قمر توسط جنح ليل مبرد
موسومة بالحسن ذات حواسد * إن الجمال مظنة للحسد
وترى مدامعها ترقرق مقلة * سوداء تعرب عن سواد الاثمد
خو إذا ذكر الكرام رأيتها * تحمي الحمى وإذا تكلم تقصد

وقال له رجل من قومه إني قاصد حي ليلى فهل عندك شيء تقوله لها، قال نعم أنشدها إذا وقفت
بحيث تسمعك هذه الأبيات:

اللهّ يعلم أن النفس قد هلكت * باليأس منك ولكني أمنيها
منيتك النفس حتى قد أضربها * وأبصرت خلفاً مما أمنيها
وساعة منك ألهوها ولو قصرت * أشهى إلي من الدنيا وما فيها

قال الرجل فمضيت حتى وقفت بخيامها فلما أمكنتني الفرصة أنشدت بحيث تسمع الأبيات فبكت
حتى غشى عليها ثم قالت أبلغه عني السلام وأنشده:

نفسي فداؤك لو نفسي ملكت إذا * ما كان غيرك يجزيها ويرضيها
صبراً على ما قاضه اللّه فيك على * مرارة في اصطباري عنك أخفيها

قال الرجل فلما بلغته ذلك بكى حتى غشي عليه ثم أفاق وهو يقول عجبت لعروة العذري البيتين
السابقين في صدر القصة ولما أيس أهله منه وخالط الوحوش أخذوا يحتالون على إصلاحه فقال أبوه يوماً لشخص أريد أن تمر به فتذكر له ليلى وأنك من عندها وأنها تذكره كثيراً فإذا أعطاك سمعه وتمكنت منه فاذكر له أنها تشتمه وتنقصه فعساه أن يداخلة كرهها. قال الرجل فمضيت حتى اجتمعت به وأعلمته بذلك حتى ذكرت أنها تشتمه فأنشد:
تمر الصبا ضفحا بساكن ذي الغضى * ويصدع قلبي أن يهب هبوبها
إذا هبت الريح الشمال فإنها * جوابي بما يهدي إليّ جنوبها
قريبة عهد بالحبيب وإنما * هوى كل نفسي حيت كان حبيبها
وحسب الليالي إن طرحنك مطرحاً * بدار قلى تمسي وأنت غريبها
حلال لليلى شتمنا وانتقاصنا * هنيئاً ومغفور لليلى ذنوبها

وقيل للمجنون يوماً أتحب ليلى قال نعم حباً خالط الدم ومازج الأعضاء قيل فما يغني حبك لها وهي مريضة وأنت لا تعودها فتنفس الصعداء وأنشد:

يقولون ليلى بالصفاح مريضة * فماذا إذا يغني وأنت صديق
شفى اللّه مرضي بالصفاح فإنني * على كل شاك بالصفاح شفيق

و يقال أن هناك رجل اسمه محمد بن نوفل أغرم بشعر المجنون فلم يستطع الاجتماع إليه و لو للحظة واحدة فاستشار فقيل له أن ينضج له خبزا ً يستشمه ففعل ذلك و صعد شجرة كانت عند الماء التي ترد إليها الظباء حيث كن يرقبها يوميا ً و عند مجيئه الماء مع الظباء فتح مزودة الخبز الناضج حديثا ً و أنشد قوله :

أتبكي على ليلى ونفسك باعدت * مزارك من ليلى وشعباً كما معا

فاندفع المجنون ينشد و يقول:

فما حسن أن يأتي الأمر طائعاً * وتجزع أن داعي الصبابة أجزعا
بكت عيني اليسرى فلما زجرتها * على الجهل بعد الحلم اسبلتا معا
واذكر أيام الحمى ثم أنثني * على كبدي من خشية أن يصدعا
فليست عشيات الحمى برواجع * إليك ولكن خل عينيك تدمعا
معي كل عز قد عصى عاذلاته * بوصل الغواني من لدن أن ترعرعا
إذا راح يمشي في الرداءين أسرعت * إليه العيون الناظرات التطلعا

ثم سقط مغشياً عليه فقال له :

يا دار ليلى بسقط الحي قد درست * إلا الثمام وإلا موقد النار
أبلى عظامك بعد اللحم ذكركها * كما ينحت قدح الشوحط الباري
ما تفتئوا الدهر من ليلى تموت كذا * في موقف وقفته أو على داري

فرفع رأسه وقال من أنت حياك الله فقال له محمد بن نوفل فرحل قطيع الظباء و رحل المجنون معه فأعد الكرة مرة أخرى فقال له رحم الله قيساً حيث يقول:

نبيت ونضحي كل يوم وليلة * على منهج تبكي عليه القبائل
قتيل للبنى صدع الحب قلبه * وفي الحب شغل للمحبين شاغل

فقال المجنون أنا والله أشعر منه حيث أقول:

سلبت عظامي لحمها فتركتها * معرّقة تضحى إليه وتضجر
وأخليتها من منحها وكأنها * قوارير في أجوافها الريح تصفر
إذا سمعت ذكر الفراق تقطعت * علائقها مما تخاف وتحذر
خذي بيدي ثم انهضي بي تبيني * بي الضر إلا أنني أتستر

ثم انساب يعدو وفارقه فلما كان اليوم الثاني جاء على العادة وأنشد قول قيس :

تبادر أم تروح غداً رداحاً * ولن يستطيع مرتهن براحا
سقيم لا يصاب له دواء * أصاب الحب مقلته فباحا
وعذبه الهوى حتى براه * كما القيت بالسفن القداحا
فكاد يذيقه جرع المنايا * ولو أسقاه ذلك لاستراحا

فقال أنا أشعر منه حيث أقول :

فما وجد مغلوب بصنعاء موثق * لساقيه من ثقل الحديد كبول
قليل الموالي مستهام مروّع * له بعد نومات العشاء عويل
يقول له الحداد أنت معذب * غداة غداً ومسلم فقتيل
بأعظم مني روعة يوم راعني * فراق حبيب ما إليه سبيل

ثم فعل فعلته بالأمس وعاوده فقال أحسن والله قيس حيث يقول:

ألا يا غراب البين ويحك أنبني * بعلمك في لبنى وأنت خبير
فإن أنت لم تخبر بشيء علمته * فلا طرت إلا والجناح كسير
ودرت بأعداء حبيبك بينهم * كما قد تراني بالحبيب أدور

وقيل أن ليلى توفيت قبله وأنه سمع هاتفاً يقول.

أمنعية بالموت ليلى ولم تمت * كأنك عمد أظلك غافل

فسقط ميتاً وهذا أمر يتعذر الوصول إلى تحقيقه وله أشعار كثيرة بلا أسباب من محاسنها قوله:

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى * فصادف قلباً فارغاً فتمكنا

ومنها:

تقول العدا لا بارك اللّه في العدا * تقاصر عن ليلى ورثت رسائله
ولو أصبحت ليلى تدب على العصا * لكان هوى ليلى جديداً أوائله

ومنها:

فلو تلتقي في الموت روحي وروحها * ومن بين رمسينا من الأرض منكب
لظل صدى رمسي وإن كنت رمه * لصوت صدى ليلى يهش ويطرب

ومنها:

فلو زرت بيت اللّه ثم رأيتها * بأبوابه حيت استجار حماها
لمست ثيابي إن قدرت ثيابها * ولم ينهني عن مسهن حمامها
ولو شهدتني حين تأتي منيتي * جلا سكرات الموت عني ابتسامها

ومنها:

أقول لألف ذات يوم لقيته * بمكة والانضاء ملقى رحالها
بربك أخبرني ألم تأثم التي * أضر بجسمي من زمان خيالها
فقال بلى واللّه سوف يمسها * عذاب وبلوى في الحياة تنالها
فقلت ولم أملك سوابق عبرة * سريع إلى جيب القميص انهمالها
عفا اللّه عنها ذنبها واقالها * وإن كان في الدنيا قليلاً نوالها

ومنها:

وأحبس عنك النفس والنفس صبة * بذكراك والممشى إليك قريب
مخافة أن يسعى الوشاة بظنة * وأحرسكم أن يستريب مريب
جعلت نفسي وأنت اخترمتها * وكنت أعز الناس عنك تطيب
فلو شئت لم أغضب عليك ولم يزل * لك الدهر مني ما حييت نصيب
أما والذي يبلوا السرائر كلها * ويعلم ما تبدي به وتغيب
لقد كنت ممن تصطفى النفس خلة * لها دون خلان الصفاء حجوب

ومنها.

ألا ليت ليلى اطفأت حر زفرة * أعالجها لا أستطيع لها ردا
إذا الريح من نحو الحمى نسمت لنا * وجدت لمسراها ومنسمها بردا
على كبد قد كاد يبدي بها الهوى * ندوباً وبعض القوم يحسبني جلدا
وإني يماني الهوى منجد النوى * سبيلان القي من خلافهما جهدا
سقى اللّه نجداً من ربيع وصيف * وما ترجى من ربيع سقى نجدا
بلى أنه قد كان للعيش مدة * وللعيس والركبان منزلة حمدا
أبى القلب أن ينفك من ذكر نسوة * رقائق لم يخلقن شوها ولا نكدا
إذا رحن بسحبن الذيول عشية * ويقتلن بالألحاظ أنفسنا عمدا
مشا عيطلات رجح بحضورها * روادف وعثات ترد الخطا ردا
وتهتز ليلى العامرية إذ مشت * ولاثت بثوب القز ذا غدر جعدا
إذا حرك المدى ضفائرها العلا * مزجن بذي الريحان والعنبر الوردا

ومنها وقد ضعف فعاده الناس ولم تعده ليلى فأنشد :

ألا ما لليلى لا ترى عند مضجعي * بليل ولا يجري بذلك طائر
بلى إن عجم الطير تجري إذا جرت * بليلى ولكن ليس للطير زاجر
أزالت عن العهد الذي كان بيننا * بذي الأيك أم قد غيرتها المقادر
فواللّه ما في القرب لي منك راحة * ولا البعد يسليني ولا أنا صابر
وواللّه ما أدرى بأية حيلة * وأي مرام أو خطار أخاطر
وتاللّه إن الدهر في ذات بيننا * عليّ له في كل حال لجائر
فلو كنت إذ أزمعت هجري تركت * جميع القوى والعقل مني وافر
ولكن أيامي بحقل عنيزة * وبالردم أيام حباها التجاور
وقد أصبح الود الذي كان بيننا * أمانيّ نفس والمؤمل حائر
لعمري لقد كدرت يا أم مالك * حياتي وساقتني إليك المقادر

ومنها:

فوا كبدي من حب من لا يحبني * ومن زفرات ما لهن فناء
أريتك إن لم أعطك الحب عن يد * ولم يك عندي إذ أبيت اباء
أتاركتي للموت أنت فميت * وما للنفوس الخائفات لقاء

ومنها:

وجاءوا إليه بالتعاويذ والرقي * وصبوا عليه الماء من ألم النكس
وقالو به من أعين الجن نظرة * ولو عقلوا قالوا به نظرة الأنس

ومنها:

وشغلت عن فهم الحديث سوى * ما كان فيك فأنتم شغلي
وأرى جليسي إذ يحدثني * إن قد فهمت وعندكم عقلي

ومنها:

سرت في سواد القلب حتى إذا انتهى * بها السير وارتادت حمى القلب حلت
فللعين تهمال إذا القلب ملها * وللقلب وسواس إذا العين ملت
وواللّه ما في القلب شيء من الهوى * لأخرى سواها أكثرت أم قلت

ومنها:

ذكرت عشية الصدفين ليلى وكل الدهر ذكراها جديد
عليّ ألية إن كنت أدرى * أينقص حب ليلى أم يزيد

ومنها:

يا ويح من أمسى تخلس عقله * فأصبح مذهوباً به كل مذهب
خلياً من الخلان إلا معذراً * يضاحكني من كان يهوى تجنبي
إذا ذكرت ليلى عقلت وأرجعت * روائع عقلي من هوى متشعب
وقالوا صحيح ما به طيف جنة * رلا الهم إلا بافتراء التكذب
تجنبت ليلى إذ يلح بك الهوى * وهيهات كان الحب قبل التجنب
ألا إنما غادرت يا أم مالك * صدى أينما يذهب به الريح يذهب
ولم أر ليلى بعد موقف ساعة * بخيف منى ترمي جمار المحصب
وتبدي الحصا منها إذا قذفت بها * من البرد أطراف البنان المخضب
فأصبحت من ليلى الغداة كناظر * مع الصبح في أعقاب نجم مغرّب

ومنها:

وإني لمجنون بليلى موكل * ولست عزوفاً عن هواها ولا جلدا
إذا ذكرت ليلى بكيت صبابة * لتذكارها حتى يبل البكا الخدّا

ومنها:

ألا يا حمام الأيك مالك باكياً * أفارقت الفاً أم جفاك حبيب
دعاك الهوى والشوق لم ترنمت * هتوف الضحى بين الغصون طروب
تجاوب ورقاً قد أذن لصوتها * فكل لكل مسعد ومجيب

ومنها:

لقد غردت في جنح ليل حمامة * على إلفها تبكي وإني لنائم
كذبت وبيت اللّه لو كنت عاشقاً * لما سبقتني بالبكاء الحمائم

ومنها:

إذا قربت داري كلفت وإن نأت * أسفت فلا بالقرب أسلو ولا البعد
وإن وعدت زاد الهوى لانتظارها * وإن بخلت بالوعد مت على الوعد
ففي كل حب لا محالة فرحة * وحبك ما فيه سوى محكم الجهد

و لما حضروا به في مكة بات ليلة فجعل يحدث نفسه كالذي في النوم ويعاتب امرأة حاضرة فقيل له في ذلك فحلف أن ليلى كانت إلى جانبه في هذا الوقت ثم أنشد:

طرقتك بين مسبح ومكبر * بحطيم مكة حيث كان الأبطح
فحسبت مكة والمشاعر كلها * وجبالها باتت بمسك تنفح

ومنها:

لئن نزحت دار بليلى لربما * عنينا بخير الزمان جميع
وفي النفس من شوقي إليك حرارة * وفي القلب من وجدي عليك صدوع
وأما قصيدته الموسومة بالمؤنسة فهي أطول قصيدة أنشدها وواظب عليها قيل أنه كان يحفظها دون أشعاره وأنه كان لا يخلو بنفسه إلا وينشدها وهي من محاسن الأشعار وأرقها لفظاً وأعذبها سبكاً وألطفها شجواً وأبلغها نسيباً وغزلاً تهيج الشجون وتعين المحزون والاستصفاء و منها :

تذكرت ليلى والسنين الخواليا * وأيام لا أعدى على الدهر عاديا
ويوم كظل الرمح قصرت ظله * بليلى فلهاني وما كنت لاهيا
فيا ليل كم من حاجة لي مهمة * إذا جئتكم بالليل لم أدر ماهيا
خليليّ ألا تبكي لي التمس خليلاً إذا أنزفت دمعي بكى ليا
فما أشرف الايفاع إلا صبابة * ولا أنشد الأشعار إلا تداويا
وقد يجمع اللّه الشتيتين بعدما * يظنان كل الظن أن لا تلاقيا
لحي اللّه أقوا ما ً يقولون إننا * وجدنا طوال الدهر للحب شافيا
وعهدي بليل وهي ذات مؤصد * ترد علينا بالعشي المواشيا
فشب بنو ليلى وشب بنو ابنها * واعلاق ليلى في فؤادي كما هيا
إذا ما جلسنا مجلساً نستلذه * تواشوا بنا حتى أمل مكانيا
سقى اللّه جارات لليلى تباعدت * بهن النوى حيث احتللن المطاليا
بتمرين لاحت نار ليلى وصحبتي * بقرع العصا ترجى المطى الحوافيا
فقال بصير القوم لمحة كوكب * بدا في سوادا لليل من ذي يمانيا
فقلت لهم بل نار ليلى توقدت * بعليا تسامى ضوءها فبدا ليا
خليلي لا واللّه لا أملك الذي * قصى اللّه في ليلى ولا ما قضى ليا
قضاها لغيري وابتلاني بحبها * فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا
وخبرتماني أن تيماء منزل * لليلى إذا ما الصيف ألقى المراسيا
فهذي شهور الصيف عنا قد انقضت * فما للنوى ترمي بليلى المراميا
فلو أن واش باليمامة داره * وداري بأعلى حضرموت أتى نيا
وماذا لهم لا أحسن اللّه حالهم * من الحظ في تصريم ليلى حباليا
وقد كنت أعلو حب ليلى فلم يزل * بي النقض والابرام حتى علانيا
فيا رب سوّ الحب بيني وبينها * يكون كفافاً لا عليّ ولا ليا
فما طلع النجم الذي يهتدى به * ولا الصبح الاهيجا ذكرها ليا
ولا سرت ميلاً من دمشق ولا بدا * سهيل لأهل الشام إلا بدا ليا
ولا سميت عندي لها من سمية * من الناس الا بلّ دمعي ردائيا
ولا هبت الريح الجنوب لأرضها * من الليل إلا بت للريح جانيا
فإن تمنعوا ليلى وتحموا بلادها * عليّ فلن تحموا عليّ القوافيا
فاشهد عند اللّه إني أحبها * فهذا لها عندي فما عندها ليا
قضى اللّه بالمعروف منها لغيرنا * وبالشوق مني والغرام قضى ليا
وإن الذي أملت يا أم مالك * أشاب فؤادي واستهان فؤاديا
أعد الليالي ليلة بعد ليلة * وقد عشت دهراً لا أعد اللياليا
واخرج من بين البيوت لعلني * أحدث عنك النفس بالليل خاليا
أراني إذا صليت يممت نحوها * بوجهي وإن كان المصلي ورائيا
وما بي اشراك ولكن حبها * وعظم الحوى أعيى الطبيب المداويا
أحب من الأسماء ما وفق اسمها * وأشبهه أو كان منه مدانيا
خليليّ ليلى أكبر الحاج والمنى * فمن لي بليلى أو فمن لها بيا
لعمري لقد أبكيتني يا حمامة العقيق * وأبكيت العيون البواكيا
خليليّ ما أرجو من العيش بعدما * أرى حاجتي تشرى ولا تشترى ليا
وتجرم ليلى ثم تزعم أنني * سلوت ولا يخفى على الناس ما بيا
فلم أر مثلينا خليلي صبابة * أشد على الرغم الأعادي تصافيا
خليلان لا نرجو اللقاء ولا ترى * خليلين إلا يرجوان تلاقيا
وإني لاستحييك أن تعرض المنى * توصلك أو أن تعرضي في المنى ليا
يقول أناس على مجنون عامر * يروم سلوا قلت أنى لما بيا
إذا ما استطال الدهر يا أم مالك * فشأن المنايا القاضيات وشأنيا
إذا اكتحلت عيني بعيني لم تزل * بخير وجلت غمرة عن فؤاديا
فأنت التي إن شئت شقيت عيشتي * وأنت التي إن شئت أنعمت باليا
وأنت التي ما من صديق ولا عدى * يرى نضو ما أبقيت الارثي ليا
أمضروبة ليلى عليّ أزروها * ومتخذ دين لها أن ترانيا
إذا سرت في الأرض الفضاء رأيتني * أصانع رحلي أن يميل حياليا
يميناً إذا كانت يميناً وإن تكن * شمالاً ينازعني الهوى عن شماليا
وإني لاستغشى وما بي نعسة * لعل خيالاً منك يلقي خياليا
هي السحر إلا أن السحر رقية * وإني لا ألقي لها الدهر راقيا
إذا نحن أدلجنا وأنت أمامنا * كفى المطايانا بذكراك هاديا
ذكت نار شوقي في فؤادي فأصبحت * لها وهج مستضرم في فؤاديا
ألا أيها الركب اليمانون عرّجوا * علينا فقد أمسى هوانا يمانيا
أسائلكم هل سال نعمان بعدنا * وحب إلينا بطن نعمان واديا
ألا يا حمامي بطن نعمان هجتما * عليّ الهوى لما تغنيتما ليا
وأبكيتماني وسط صحبي ولم أكن * أبالي دموع العين لو كنت خاليا
ويا أيها القمريتان تجاذبا * بلحنيكما ثم اسجعا علانيا
فإن أنتما استطربتما أو أردتما * لحاقاً بأطلال الغضى فاتبعانيا
ألا ليت شعري ما للعلى وما ليا * وما للضبا من بعد شيب علانيا
ألا أيها الواشي بليلى ألا ترى * إلى من تشها أو لمن أنت واشيا
لئن ظعن الأحباب يا أم مالك * فما ظعن الحب الذي في فؤاديا
فيا رب إذ صيرت ليلى هي المنى * فزنى بعينيها كما زنتها ليا
وإلا فغضا إلي وأهلها * فإني بليلى قد لقيت الدواهيا
على مثل ليلى يقتل المرء نفسه * وإن كنت من ليلى على اليأس طاويا
خليليّ إن ضنوا بليلى فقرّبا * إلى النعش والأكفان واستغفرا ليا

............................................................ يتبع[/size]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سليمان عزام
الســ روح ـــويداء
الســ روح ـــويداء
avatar

أحترام قوانين المنتدى
عدد المساهمات : 3224
تاريخ التسجيل : 06/06/2009
الموقع : sweida-soul.7olm.org
منتديات روح السويداء
قائد الثورة سلطان باشا الاطرش
لا تنسى ذكر الله لا تنسى ذكر الله

مُساهمةموضوع: رد: قصص و لطائف الأقدمين   الإثنين مايو 31, 2010 4:41 am

قيس بن الملوح بن مزاحم العامري
.
شاعر غزل، من المتيمين، من أهل نجد.
لم يكن مجنوناً وإنما لقب بذلك لهيامه في حب ليلى بنت سعد التي نشأ معها إلى أن كبرت وحجبها أبوها، فهام على وجهه ينشد الأشعار ويأنس بالوحوش، فيرى حيناً في الشام وحيناً في نجد وحيناً في الحجاز، إلى أن وجد ملقى بين أحجار وهو ميت فحمل إلى أهله.


مجنون ليلى
هو قيس بن الملوح بن مزاحم ..العامري . وأما صاحبته فهي ليلى بنت سعد بن مهدي .. بن ربيعة العامري .. وتؤكد كتب الرواة أن الهوى تمكن من قلبيهما , وهما لا يزالان صبيين , علق كل واحد منهما صاحبه وهما يرعيان مواشي قبيلتهما فلم يزالا كذلك حتى كبرا , فحجبت عنه .. وفي هذا قوله :

تعلقت بليلى وهي ذات ذؤابـة
ولم يبد للأتراب من ثديها حجم



اخي نسيم الطيب :
أحبذ بإن تكون القصة إقصر بقليل لتتمكن الاعضاء قرأتها دون شعور بطول القصة أي بمراحلة أقصر بما وضعته .
كل الشكر لك أخي وهذه القصة من أجمل القصص
لك من أرق التحيات وأرجو تقبل نقدي البسيط ..






h<div style="" center;="" font-family:="" courier="" new;="" font-weight:="" bold;="" color:="" blue;\=""><font size="4">في القدس أبنيةٌ حجارتُها اقتباساتٌ من الإنجيلِ والقرآنْ</font><br><br><font size="4">في القدس تعريفُ الجمالِ مُثَمَّنُ الأضلاعِ أزرقُ،</font><br><font size="4">فَوْقَهُ، يا دامَ عِزُّكَ، قُبَّةٌ ذَهَبِيَّةٌ،</font><br><font size="4">تبدو برأيي، مثل مرآة محدبة ترى وجه السماء مُلَخَّصَاً فيها</font><br><font size="4">تُدَلِّلُها وَتُدْنِيها</font><br><font size="4">تُوَزِّعُها كَأَكْياسِ المعُونَةِ في الحِصَارِ لمستَحِقِّيها</font><br><font size="4">إذا ما أُمَّةٌ من بعدِ خُطْبَةِ جُمْعَةٍ مَدَّتْ بِأَيْدِيها.</font></div>
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sweida-soul.7olm.org
أحباب الروح
أحلى الخبراء
أحلى الخبراء
avatar

أحترام قوانين المنتدى
عدد المساهمات : 6177
تاريخ التسجيل : 13/07/2009
الموقع : مؤسسة أمل حياتي
منتديات روح السويداء
الأوسمة وسام العطاء
الأوسمة .2. وسام الحضور المميز
لا تنسى ذكر الله لا تنسى ذكر الله

مُساهمةموضوع: رد: قصص و لطائف الأقدمين   الإثنين مايو 31, 2010 2:16 pm

جميلة القصة صديقي

والأجمل هي الأيدي

التي تبدع

سلمت يداك

تحيااااتي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
النسيم الطيب
عضو مبتدىء
عضو مبتدىء
avatar

أحترام قوانين المنتدى
عدد المساهمات : 50
تاريخ التسجيل : 12/05/2010
منتديات روح السويداء
لا تنسى ذكر الله لا تنسى ذكر الله

مُساهمةموضوع: رد: قصص و لطائف الأقدمين   الثلاثاء يونيو 01, 2010 2:28 am

الأخ سليمان
&
الأخت أحباب الروح
شكرا ً لكما على مروركما معي
أتقبل النقد في أي وقت
و من يراني على خطأ و لم يقيمني يريدني أن أستمر فيه
شكرا ً على ملاحظتك القيمة
و لكن هكذا مواضيع لا تحتمل الإختصار
تقبلوا تحياتي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
النسيم الطيب
عضو مبتدىء
عضو مبتدىء
avatar

أحترام قوانين المنتدى
عدد المساهمات : 50
تاريخ التسجيل : 12/05/2010
منتديات روح السويداء
لا تنسى ذكر الله لا تنسى ذكر الله

مُساهمةموضوع: رد: قصص و لطائف الأقدمين   الثلاثاء يونيو 01, 2010 2:31 am

قصة حب :
رأى أنس الوجود وهو من الشعراء المجهولين في التاريخ العربي فتاة حلوة القدّ صحيحة الجسم بهية الطلعة تمشي بغنج يحف من حولها الحجاب و الخدم فأعجب بها و استلطفها حتى أصابت قلبه سهامها فكتب لها هذه الأبيات و دفعها إلى جاريتها يقول فيها :

أعلل قلبي في الغرام وأكتم * ولكن حالي عن هواي يترجم
فلو فاض دمعي قلت جرح مقلتي * لئلا يرى حالي العذول فيفهم
وكنت خلياً لست أعرف ما الهوى * فأصبحت صباً والفؤاد متيم
رفعت إليكم قصتي أشتكي بها * غرامي ووجدي كي ترقوا وترحموا
سطرتها من دمع عيني لعلها * بما حل بي منكم إليكم تترجم
رعى الله وجهاً بالغرام مبرقعا * له البدر عبد والكواكب تخدم
على حسن ما رأيت مثيلها * ومن ميلها الأغصان عطفاً تعلم
وأسألكم من غير حمل مشقة * زيارتنا إن الوصال معظم
وهبت لكم روحي عسى تقبلونها * فلي الوصل مني والصدود جهم

فأخذت الجارية الكتاب وأعطته إلى سيدتها, فلما قرأت ذاك الكتاب هاج منها الوجد والغرام وكتبت له تقول:

يا من تعلق قلبه بجمالنا * أصبر لعلك في الهوى تحظى بنا
لما علمنا أن حبك صادق * وأصاب قلبك ما أصاب فؤادنا
زدناك فوق الوصل مثله * لكن منع الوصل من حجابنا
وإذا تجلى الليل من فرط الهوى * تتوقد النيران في أحجابنا
وجت مضاجعنا الجنوب وربما * قد برح التبريح في أجسامنا
الفوض في شرع الهوى كتم الهوى * لا ترفعوا المسبول من أستارنا

فلما فرغت من شعرها طوت الكتاب وأعطته إلى الخادمة فأخذته وخرجت من عندها, فصادفها الحاجب فقال لها: أين تذهبين؟ فقالت إلى بعض أعمالي وقد انزعجت منه فوقعت منها الورقة دون انتباه , فبينما كان بعض الخدم يمشي في تلك الجهة وقع نظره على الورقة فأخذها وقدمها إلى الوزير , فلما قرأها وفهم فحواها هاج منه الغيظ والغضب وجاء إلى أبنته ( ورد ) لائماً مندداً. ثم أمر بعض الخدم بإبعادها وأخذ مكان لها يكون بعيداً في البرية , فلما علمت بذلك زاد منها القلق وكتبت قبل ذهابها هذه الأبيات على باب حجرتها :

بالله يا دار مر الحبيب ضحى * مسلماً بإشارات يحيينا
أهديه منا سلاماً زاكياً عطراً * لأنه ليس يدري أين أمسينا
ولست أدري إلى أين الرحيل بنا * لما مضوا بي سريعاً مستخفينا
في جنح ليل وطير الأيك قد عكفت * على الغصون تباكينا وتنعينا
وقال عنها لسان الحال وأحربا * من التفرق ما بين المحبينا
لما رأيت كؤوس المر قد ملئت * والدهر من صرفها بالقهر يسقينا
مزجتها بجميل الصبر متذراً * وأنكم الآن ليس الصبر يسلينا

ولما فرغت من شعرها , ركبت وساروا بها يقطعون القفار , حتى وصلوا إلى مكان منفرد أمام شاطيء نهر , فنصبوا لها خيمة ووكلوا بها أعظم الخدم , و لما أظلم الظلام تذكرت حالها وكيف فارقت أطلال الحبيب فسكبت العبرات وأنشدت تقول:

جن الظلام وهاج الوجد بالسقم * والشوق حرك ما عندي من الألم
ولوعة البين في الأحشاء قد سكنت * والفكر صيرني في حالة العدم
والوجد أقلقني والشوق أحرقني * والدمع باح بسر أي مكتتم
وليس لي حالة في العشق أعرفها * من رق عودي ومن سقمي ومن ألمي
جحيم قلبي من النيران قد سعرت * ومن لظى حرها الأكباد في نقم
ما كنت أملك نفسي أن أودعهم * يوم الفراق فيا قهري ويا ندمي
يا من يبلغهم ما حل بي وكفى * إني صبرت على ما خط بالقلم
أقسمت لا حلت عنهم في الهوى أبداً * يمين شرع الهوى مبروة القسم
يا ليل سلم على الأحباب مخبرهم * وأشهد بعلمك أني فيك لم أنم

أما أنس الوجود فإنه بعد كتابة الأبيات وإرسالها إلى محبوبته جلس يتقد بنار الغرام فلم يستطع صبرا ً عليها فقصد بيتها في اليوم الثاني , فسأل عنها الخادمة فأعلمته بالخبر وأطلعته على ما كتبت من أبيات على الباب فلما قرأ تلك الأبيات , زاد منه الوجد والقلق وسار في عرض القفار لا يرتاح إلى سمير ولا يلذ له الكلام , إلى أن رأى رجلاً أهداه إلى مكانها فبينما هو سائر إلى حبيبته وقع نظره على طير حمام يهزأ منه الأيك فهاج منه لاعج الغرام وأنشد يقول :

يا حمام الأيك أقريك السلام * يا أخا العشاق من أهل الغرام
أنني أهوى غزالاً أهيفاً * لحظه أقطع من حد الحسام
في الهوى أحرق قلبي والحشا * وعلا جسمي نحول وسقام
ولذيذ الزاد قد حرمته * مثل ما حرمت من طيب المنام
وأصطباري وسلوى رحلا * والهوى بالوجد عندي قد أقام
كيف يهنا العيش لي من بعدهم * وهم روحي وقصدي والمرام

أما حبيبته ورد فإنها بينما كانت تخطر حول خيامها إذ رأت موكباً حافلاً عن بعد فدنت منه فإذا في وسطه أمير خطير فلما وقع نظره عليها عجب من رائق جمالها وهاله ما رأى فيها من شدة الضعف والهزال , فسألها عن حالها وما ألم بها. فأعلمته القصة على التمام وما جرى لها أولاً وأخرا , فرق لها قلبه وبعث فاسترضى أباها وأرسل من يأتي بأنس الوجود. فما مضى إلا القليل حتى صادفوه قريباً من خيام محبوبته . فلما جاءوا به إليها مالت عليه كغصن البان فضمها إلى صدره وأنشد يقول :

ما أحيلاها ليلات الوفا * حيث أمسى لي حبيبي منصفا
نصب السعد لنا أعلامه * وشربنا منه كأساً قد صفا
وأجتمعنا وتشاكينا الأسى * وليلات تقضت بالجفا
ونسينا ما مضى يا سادتي * وعفا الرحمن عما سلفا


وعاشا معاً في ألذ عيش وأهنأ بال، وكان لا يفارقها لحظة واحدة، وهكذا تذوقا لذة الحب بعد العذاب


++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
النسيم الطيب
عضو مبتدىء
عضو مبتدىء
avatar

أحترام قوانين المنتدى
عدد المساهمات : 50
تاريخ التسجيل : 12/05/2010
منتديات روح السويداء
لا تنسى ذكر الله لا تنسى ذكر الله

مُساهمةموضوع: رد: قصص و لطائف الأقدمين   الثلاثاء يونيو 01, 2010 9:09 pm

همذاني بين يدي المنصور

بينما كان المنصور جالسا ً في مجلسه المبني على أعالي باب خرسان من مدينته التي بناها , و أضافها إلى اسمه , مشرفا ً على دجلة , جاءه سهما ً عائرا ً( أي لا يدري من رماه ) سقط بين يديه , فذعر منه ذعرا ً شديدا ً , ثم أخذه و جعل يقلبه بين يديه , فإذا مكتوب عليه بين الريشتين :

أتطمع في الحياة إلى التنادي * و تحسب أن مالك من نفاد
ستسأل عن ذنوبك و الخطايا * و تسأل بعد ذاك عن العباد

ثم قرأ عند الريشة الأولى :

أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت * و لم تخف سوء ما يأتي به القدر
و سالمتك الليالي فاغتررت بها * و عند صفو الليالي يحدث الغدر

ثم قرأ عند الريشة الأخرى :

هي المقادير تجري في أعنتها * فاصبر فليس لها صبر على حال
يوما ً تريك خسيس القوم ترفعه * إلى السماء و يوما ً تخفض العالي

و إذا على جانب السهم مكتوب : << همذان منها رجل مظلوم في حبسك >>

فبعث من فوره بعدة من خاصته , ففتشوا الحبس , فوجدوا شيخا ً موثقا ً بالحديد , متوجها ً نحو القبلة , يردد قوله تعالى : " سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون " فسألوه عن بلده , فقال : همذان
فحمل و وضع بين يدي المنصور , فسأله عن حاله , فأخبره أنه رجل من أبناء مدينة همذان و من أرباب نعمها , ثم قال له : أن واليك علينا دخل بلدنا , و لي ضيعة تساوي ألف ألف , فأراد أخذها مني , فامتنعت , فكبلني بالحديد و كتب إليك أني عاص , فطرحت في هذا المكان .
فقال له المنصور : منذ متى , فقال : منذ أربعة أعوام , فأمر المنصور بفك الحديد عنه , و الإحسان إليه , و أنزل أحسن منزل .
ثم رد إليه ضيعته , و قال له : يا شيخ , قد رددنا عليك ضيعتك بخراجها ما عشت و عشنا , و أما مدينتك همذان , فقد وليناك عليها , و أما الوالي فقد حكمناك فيه , و جعلنا أمره إليك , فشكره الهمذاني , و قال : يا أمير المؤمنين ! أما الضيعة فقد قبلتها لأنها لي , و أما الولاية لا أصلح لها , و أما واليك فقد عفوت عنه .
فأمر له المنصور بمال جزيل , و بر واسع , و حمله إلى بلده مكرما ً , بعد أن صرف الوالي و عاقبه على ما جنى من انحرافه عن سنة العدل و الحق , و سأل الشيخ في مكاتبته في أخبار بلده , و إعلامه بما يكون من ولاته , ثم أنشأ المنصور يقول :

من يصحب الدهر لا يأمن تصرفه يوما ً و الدهر إحلاء و إمرار
لكل شيء و إن دامت ســــــلامته إذا انتهى فله لا بد إقصــــار


................................................................ يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
النسيم الطيب
عضو مبتدىء
عضو مبتدىء
avatar

أحترام قوانين المنتدى
عدد المساهمات : 50
تاريخ التسجيل : 12/05/2010
منتديات روح السويداء
لا تنسى ذكر الله لا تنسى ذكر الله

مُساهمةموضوع: رد: قصص و لطائف الأقدمين   الجمعة يونيو 04, 2010 2:13 am

قال الأديب كمال الدين علي بن محمد بن المبارك الشهير بابن الأعمى في ذم دار كان يسكنها :


دار سكنت بها أقل صفاتها * أن تكثر الحشرات في جنباتها
الخير عنها نازح ٌ متباعد ٌ * والشر دان من جميع جهاتها
من بعض ما فيها البعوض عدمته * كم أعدم الأجفان طيب سباتها
وتبيت تسعرها براغيث متى * غنت لها رقصت على نغماتها
رقص بتنقيط ولكن قافه * قد قدمت فيه على أخواتها
وبها ذباب كالضباب يسد عين * الشمس ما طربي سوى غناتها
أين الصوارم والقنا من فتكها * فينا وأين الأسد من وثباتها
وبها خفافيش تطير ما هو معجز * أبصارنا عن وصف كيفياتها
وبها من الجرذان ما قد قصرت * عنه العتاق الجرد في حملاتها
وبها خنافس كالطنافس أفرشت * في أرضها وعلت على جنباتها
وبنات وردان وأشكال لها * مما يفتت العين كنه ذواتها
أبدا ً تمص دماءنا فكأنها * حجامة لبدت على كاساتها
وبها من النمل السليماني ما * قد قل ذر الشمس عن ذراتها
ما راعني شيء سوى وزغاتها * فتعوذوا بالله من ذراتها
سجعت على أوكارها فظننتها * ورق الحمام سجعن في شجراتها
وبها زنابير تظن عقاربا *حـَرُ السموم أخف من زفراتها
وبها عقارب كالأقارب رتع * فينا حمانا الله لدغ حماتها
كيف السبيل إلى النجاة ولا نجا * ة ولا حياة لمن رأى حياتها
منسوجة بالعنكبوت سماؤها * والأرض قد نسجت على آفاتها
فضجيجها كالرعد في جنباتها * وترابها كالرمل في خشناتها
والبوم عاكفة على أرجائها * والدود تبحث في ثرى عرصاتها
والجن تأتيها إذا جن الدجى * تحكي الخيول الجرد في حملاتها
والنار جزء من تلهب حرها * وجهنم تعزى إلى لفحاتها
شاهدت مكتوبا على أرجائها * ورأيت مسطورا على جنباتها
لا تقربوا منها وخافوها ولا * تلقوا بأيديكم إلى هلكاتها
أبدا يقول الداخلون ببابها * يا رب نج الناس من آفاتها
قالوا إذا ندب الغراب منازلا * يتفرق السكان من ساحاتها
وبدارنا ألفا غراب منازلا * يتفرق السكان من ساحاتها
صبرا لعل الله يعق راحة * للنفس إذ غلبت على شهواتها
دار تبيت الجن تحرس نفسها * فيها وتندب باختلاف لغاتها
كم بت فيها مفردا والعين من * شوق الصباح تسبح من عبراتها
وأقول يا رب السماوات العلى * يا رازقا للوحش في فلواتها
أسكنتني بجهنم الدنيا ففي * أخراي هب لي الخلد في جناتها
واجمع بمن أهواه شملي عاجلا * يا جامع الأرواح بعد شتاتها

****************************************************
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سليمان عزام
الســ روح ـــويداء
الســ روح ـــويداء
avatar

أحترام قوانين المنتدى
عدد المساهمات : 3224
تاريخ التسجيل : 06/06/2009
الموقع : sweida-soul.7olm.org
منتديات روح السويداء
قائد الثورة سلطان باشا الاطرش
لا تنسى ذكر الله لا تنسى ذكر الله

مُساهمةموضوع: رد: قصص و لطائف الأقدمين   الجمعة يونيو 04, 2010 2:18 am

تحية طيبة وبعد ..
مازلت من المتابعين لك بما تقدمه وانا استمتع بقرأت هذه الروايات وهذه القصص

تحياتي لك النسيم الطيب






h<div style="" center;="" font-family:="" courier="" new;="" font-weight:="" bold;="" color:="" blue;\=""><font size="4">في القدس أبنيةٌ حجارتُها اقتباساتٌ من الإنجيلِ والقرآنْ</font><br><br><font size="4">في القدس تعريفُ الجمالِ مُثَمَّنُ الأضلاعِ أزرقُ،</font><br><font size="4">فَوْقَهُ، يا دامَ عِزُّكَ، قُبَّةٌ ذَهَبِيَّةٌ،</font><br><font size="4">تبدو برأيي، مثل مرآة محدبة ترى وجه السماء مُلَخَّصَاً فيها</font><br><font size="4">تُدَلِّلُها وَتُدْنِيها</font><br><font size="4">تُوَزِّعُها كَأَكْياسِ المعُونَةِ في الحِصَارِ لمستَحِقِّيها</font><br><font size="4">إذا ما أُمَّةٌ من بعدِ خُطْبَةِ جُمْعَةٍ مَدَّتْ بِأَيْدِيها.</font></div>
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://sweida-soul.7olm.org
النسيم الطيب
عضو مبتدىء
عضو مبتدىء
avatar

أحترام قوانين المنتدى
عدد المساهمات : 50
تاريخ التسجيل : 12/05/2010
منتديات روح السويداء
لا تنسى ذكر الله لا تنسى ذكر الله

مُساهمةموضوع: رد: قصص و لطائف الأقدمين   الجمعة يونيو 04, 2010 9:32 pm

شكرا ً أخي سليمان لرعايتك و عنايتك
لك كل التحيات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
النسيم الطيب
عضو مبتدىء
عضو مبتدىء
avatar

أحترام قوانين المنتدى
عدد المساهمات : 50
تاريخ التسجيل : 12/05/2010
منتديات روح السويداء
لا تنسى ذكر الله لا تنسى ذكر الله

مُساهمةموضوع: رد: قصص و لطائف الأقدمين   الجمعة يونيو 04, 2010 9:36 pm


أخبار قيس ولبنى


هو قيس بن ذريح بن سنة، يتصل نسبه ببكر بن عبد مناة عذري وهو من خزاعة واسم أبيه علي أو هو جده، وكان ينزل بظاهر المدينة وهو رضيع الحسين بن علي بن أبي طالب، وسبب علاقته بلبنى بنت الحباب الكعبية أنه مر ببني كعب ذات مرة و الحر محتدم فاستسقى الماء من إحدى خيامهم , فبرزت له فتاة مديدة القامة بهية الطلعة عذبة الكلام سهلة المنطق فناولته وعاء ماء، فلما ارتوى قالت له : هل تتفيئ عندنا، وقد تمكنت من فؤاده فقال : نعم، فمهدت له البساط واستحضرت ما يحتاج إليه حتى جاء أباها , فلما وجده رحب به ونحر له جزوراً وأقام عندهمطوال اليوم ثم انصرف وهو أشغف الناس بها , فجعل يكتم ذلك إلى أن غلب عليه فنطق فيها بالأشعار وشاع ذلك عنه وأنه مر بها ثانياً فنزل عندهم وشكا إليها حين تخاليا ما نزل به من الوجد فوجد عندها أضعاف ذلك ما عنده فانصرف وقد علم كل واحد ما عند الآخر.
فمضى إلى أبيه فشكا إليه فقال له دع هذه وتزوج بإحدى بنات عمك، فغم منه وجاء إلى أمه فكان منها ما كان من أبيه فتركهما وجاء إلى الحسين بن علي وأخبره بالقصة فرثى له والتزم له أن يكفيه هذا الشان.
فمضى معه إلى أبي لبنى فسأله في ذلك فأجابه بالطاعة، وقال يا ابن رسول الله لو أرسلت لكفيت، بيد أن هذا من أبيه أليق كما هو عند العرب فشكره ومضى إلى أبي قيس.
وعندما علم الحسين بن علي انقباض أبي قيس عن ذلك، جاء إليه حافياً على حر الرمل ، وكان ذريح ملياً فمضى مع الحسين حتى زوج قيساً بلبنى. و يقال أن الحسين عليه السلام دفع المهر من ماله .
أقام قيس و لبنة مدة مديدة على أرفع ما يكون من أحسن الأحوال ومراتب الاقبال، وفنون المحبة و الإدلال .
وكان قيساً على أبلغ ما يكون من أنواع البر بأمه فشغله الانهماك مع لبنى عن بعض ذلك فحسنت لأبيه التفريق بينهما فقالت له يوماً لو زوجته بمن تحمل لتجيء بولد كان أبقى لنسبك واحفظ لبيتك ومالك، وأنهما عرضا على قيس ذلك فامتنع امتناعاً يؤذن باستحالة ذلك، وأقام يقاومهما عشر سنين إلى أن أقسم أبوه لا يعلوه سقف أو يطلق قيس لبنى. فكان إذا اشتد الهجير يجيئه فيلظيه بردائه ويصطلي هو حتى يجيء الفيء فيدخل إلى لبنى فيتعانقان ويتباكيان وهي تقول له لا تفعل فتهلك إلى أن قدر أن طلقها، فلما أزمعت الرحيل, جاء وقد قوضوا خيامها فسأل الجارية عن أمرهم فقالت سل لبنى فأتى إليها فمنعه أهلها وأخبروه أنها غد ترحل إلى أهلها فسقط مغشياً عليه، فلما أفاق أنشد:

وإني لمفن دمع عيني بالبكى * حذار الذي قد كان أو هو كائن
وقالوا غداً أو بعد ذاك بليلة * فراق حبيب لم يبن وهو بائن
وما كنت أخشى أن تكون منيتي * بكفيك إلا أن ما حان حائن

ثم وقال :

يقولون لبنى فتنة كنت قبلها * بخير فلا تندم عليها وطلق
فطاوعت أعدائي وعاصيت ناصحي * وأقررت عين الشامت المتملق
وددت وبيت اللّه أني عصيتم * وحملت في رضوانها كل موثق
وكلفت خوص البحر والبحر زاخر * أبيت على اثباج موج مفرق
كأني أرى الناس المحبين بعدها * عصارة ماء الحنظل المتفلق
فتنكر عيني بعدها كل منظر * ويكره سمعي بعدها كل منطق

وسقط غراب بحيث ينظره فنعق حين رحيلها فأنشد:

لقد نادى الغراب ببين لبنى * فطار القلب من حذر الغراب
وقال غداً تباعد دار لبنى * وتنأى بعد ود واقتراب
فقلت تعست ويحك من غراب * وكان الدهر سعيك في تباب

وتبعها حين ارتحلت ينظر إليها، فلما غابت رجع يقبل الطريق التي رحلت منه ، فلاموه على ذلك فأنشد:

وما أحببت أرضكم ولكن * أقبل أثر من وطىء الترابا
لقد لاقيت من كلفي بلبنى * بلاء ما أسيغ له الشرابا
إذا نادى المنادي باسم لبنى * عييت فلا أطيق له جوابا

ولما أجنه الليل أوى إلى مضجعه فلم يطق قرارا ً فجعل يتململ ويتمرغ في موضعه ويقول:

بت والهم يا لبينى ضجيعي * وجرت مذ نأيت عني دموعي
وتنفست إذ ذكرتك حتى زالت اليوم عن فؤادي ضلوعي
يا لبينى فدتك نفسي وأهلي هل لدهر مضى لنا من رجوع

ويقول :

قد قلت للقلب لا لبناك فاعترف * قضت لبانة ما قضيت فانصرف
قد كنت أحلف جهدي لا أفارقها * أُف ٍ لكثرة زيف القيل والحلف
حتى تكنفني الواشون فافتلتت * لا تأمنن أبداً من غش مكتنف
هيهات هيهات قد أمست مجاورة * أهل العقيق وأمسينا على سرف
حيّ يمانون والبطحاء منزلها * هذا لعمرك شكل غير مؤتلف

وأرسلت إليه يوماً أمه بنات يذكرن لبنى بالعيب عنده ويلهينه بالتعرض إلى وصلهن فأنشد:
يقر لعيني قربها ويزيدني * بها عجباً من كان عندي يعيبها
وكم قائل قد قال تب فعصيته * وتلك لعمري توبة لا أتوبها
فيا نفس صبر الست واللّه فاعلمي * بأول نفس غاب عنها حبيبها

فوطن البيت , ولم يفارقه ، ولما اشتد شوقه وزاد غرامه أفضى به الحال إلى مرض ألزمه الوساد واختلال العقل واشتغال البال، فلام الناس أباه على سوء فعله فجزع وندم وجعل يتلطف به، فأرسل له طبيبا ًو مداويات , يسألون عن حاله ويلهونه، فلما أطالوا عليه أنشد:
عند قيس من حب لبنى ولبنى * داء قيس والحب صعب شديد
فإذا عادني العوائد يوماً قالت العين لا أرى من أريد
ليت لبنى تعودني ثم أقضي أنها لا تعود فيمن يعود
ويح قيس لقد تضمن منها داء خبل فالقلب منه عميد

فقال له الطبيب كم لها هذه العلة بك ومتى كلفت بهذه المرأة فقال
:
تعلق روحي روحها قبل خلقنا * وليس إذا متنا بمنفصم العقد
فزاد كما زدنا وأصبح نامياً * وليس إذا متنا بمنصم المهد
ولكنه باق على كل حادث * وزائرتي في ظلمة القبر واللحد

فقال إنما يسليك عنها تذكر ما فيها من المساوي والمعايب وما تعافه النفس فقال:

إذا عبتها شبهتها البدر طالعاً وحسبك من عيب لها شبه البدر
لقد فضلت لبنى على الناس مثل ما على ألف شهر فضلت ليلة القدر
إذا ما شئت شبراً من الأرض أرجفت من البحر حتى ما تزيد على شبر
لها كفل يرتج منها إذا مشت * ومتن كغصن البان منضمر الخصر
وأن أباه دخل وهو يخاطب الطبيب بذلك فجعل يؤنبه ويلومه، فلما لم يفد ذلك عرض عليه التزويج فأنشد :
لقد خفت أن لا تقنع النفس بعدها * بشيء من الدنيا وإن كان مقنعا
وازجر عنها النفس إن حيل دونها * وتأبى إليها النفس إلا تطلعا

فلما أيس منه استشار قومه في دائه فاتفقت آراؤهم على أن يأمروه بالتجوال في أحياء العرب فلعله تقع عينه على امرأة تستميل عقله فاقسموا عليه أن يفعل ففعل وأنه اتفق أن نزل بحي من فزارة فرأى جارية قد حسرت عن وجهها برقع خز وهي كالبدر حسناً وبهجة فسألها عن اسمها فقالت لبنى فسقط مغشياً عليه فارتاعت منه ونضحت وجهه بالماء وقالت إن لم تكن قيساً لبنة فأنت مجنون.
فلما أفاق استنسبته فإذا هو قيس فأقسمت عليه أن ينال من طعامها، فتناول قليلاً ثم ركب و غادر الحي , فجاء أخوها على أثره فأعلمته القصة فركب حتى استرده وأقسم عليه أن يقيم عنده شهراً، فكان الفزاري يعجب به ويعرض عليه الصهارة حتى لامته العرب وقالوا نخشى أن يصير فعلك سنة فيقول دعوني في مثل هذا الفتى , وقيس يقول له إن فيكم الكفاية ولكني في شغل لا ينتفع بي معه شيئ ً , فألح عليه حتى عقد له على أخته ودخل بها فأقام معها أياماً لا تهش نفسه إليها ولا يكلمها ثم استأذن في الخروج إلى أهله فأذنوا له فخرج إلى المدينة وكان له بها صديق فأعلمه أن لبنى قد بلغها تزويجه فغمت لذلك وقالت إنه لغدار وإني طالما خطبت .
و كان أبا لبنى قد اشتكى قيساً إلى معاوية وإنه يشبب بابنته فكتب إلى مروان بهدر دمه وأمره أن يزوج ابنته بخالد بن خلدة الغطفاني وهو كندي حليف قريش فجعل النساء ليلة زفافها يغنينها:
لبينى زوجها أصبح * لا حر يوازيه
له فضل على الناس * وقد باتت تناجيه
وقيس ميت حقاً * صريع في بواكيه
فلا يبعده اللّه * وبعداً لنواعيه
ولما بلغ ذلك قيساً اشتد به الغرام فركب حتى أتى محلة قومها فقالت له النساء ما تصنع هنا وقد رحلت لبنى مع زوجها فلم يلتفت حتى أتى موضع خبائها فتمرغ به وأنشد:

إلى اللّه أشكوا فقد لبنى كما شكا * إلى اللّه بعد الوالدين يتيم
يتيم جفاه الأقربون فجسمه * نحيل وعهد الوالدين قديم

وأنشد حين بلغه هدر دمه:

فإن يحجبوها أو يحل دون وصلها * مقالة واش أو وعيد أمير ِ
فلن يمنعوا عينيّ من دائم البكا * ولن يذهبوا ما قد أجن ضميري
إلى اللّه أشكو ما ألاقي من الهوى * ومن كرب تعتادني وزفير ِ
ومن حرق للحب في باطن الحشا * وليل طويل الحزن غير قصير ِ
سأبكي على نفسي بعين غزيرة * بكاء حزين في الوثاق أسير ِ
وكنا جميعاً قبل أن يظهر النوى * يا نعم حالي غبطة وسرور ِ
فما برح الواشون حتى بدت لنا * بطون الهوى مقلوبة بظهور ِ
لقد كنت حسب النفس لو دام وصلنا * ولكنما الدنيا متاع غرور ِ

وقال أيضاً:

وإن تك لبنى قد أتى دون قربها * حجاب منيع ما إليه سبيل
فإن نسيم الجو يجمع بيننا * ونبصر قرن الشمس حين تزول
وأرواحنا بالليل في الحين تلتقي * ونعلم أنا بالنهار نقيل
وتجمعنا الأرض القرار وفوقنا * سماء نرى فيها النجوم تجول
إلى أن يعود الدهر سلما وتنقضي * ترات يرها عندنا وذحول

وحجت لبنى في تلك السنة فاتفق خروجه أيضاً فتلاقيا فأبهت وأرسلت إليه مع امرأة تستخبره عن حاله وتسلم عليه فأعاد السلام والسؤال وأنشد:

إذا طلعت شمس النهار فسلمي * فإني يسليني عليك طلوعها
بعشر تحيات إذا الشمس أشرقت * وعشر إذا اصفرت وحان رجوعها
ولو أبلغتها جارة قولي أسلمي * طوت حزناً وارفض منها دموعها

وحين انقضى الحج مرض مرضاً أنهكه فأكثر الناس من عيادته فجعل يتكفر لبنى وعدم رؤيته لها فأنشد:

ألبنى لقد جلت عليك مصيبتي * غداة غد إذ حل ما أتوقع
تمنيني نيلاً وتلويني به * فنفسي شوقاً كل يوم تقطع
ألومك في شأني وأنت مليمة * لعمري وأجفى للمحب وأقطع
وأخبرت أني فيك مت بحسرة * فما فاض من عينيك للوجد مدمع
إذا أنت لم تبكي عليّ جنازة * لديك فلا تبكي غداً حين أرفع

فحين بلغتها الأبيات جزعت جزعاً شديداً وخرجت إليه خفية على ميعاد فاعتذرت عن الانقطاع , وأعلمته أنها إنما تترك زيارته خوفاً عليه أن يهلك وإلا فعندها ما عنده ولكنها جلدة و صبورة .
ويروى أن قيساً انتقى ناقة من إبله وقصد المدينة ليبيعها فاشتراها زوج لبنى وهو لا يعرفه، ثم قال له ائتني غداً في دار كثير بن الصلت أقبضك الثمن، فجاء وطرق الباب فأدخله وقد صنع له طعاماً وقام لبعض حاجاته،فقالت المرأة لخادمتها سليه ما بال وجهه متغيراًشاحباً فتنفس الصعداء، ثم قال هكذا حال من فارق الأحبة. فقالت استخبريه عن قصته فاستخبرته فشرع يحكي أمره فرفعت الحجاب وقالت حسبك قد عرفنا حالك فبهت حين عرفها لا ينطق ساعة، ثم خرج لوجهه فاعترضه الرجل وقال ما بالك عدلت قبض مالك وإن شئت زدناك، فلم يكلمه ومضى فدخل الرجل فقالت له ما هذا الذي فعلت إنه لقيس فحلف أنه لا يعرفه، وأنشد قيس معاتباً لنفسه:

أتبكي على لبنى وأنت تركتها * وكنت عليها بالملا أنت أقدر
فإن تكن الدنيا بلبنى تقلبت * فللدهر والدنيا بطون وأظهر
كأني في أرجوحة بين أحبل * إذا فكرة منها على القلب تخطر

وقيل أنه حين جاء ليقبض ثمن المطية رأى لبنى فعاد مبهوتاً فسأله الرجل فقال له لا تركب لي مطيتين فقال أنت قيس قال نعم قال ارجع لنخيرها فإن اختارتك طلقتها وظن الرجل أنها تبغض قيساً فخيرها فاختارت قيساً فطلقها لوقته.
ويحكي أن سبب طلاقها أن قيساً قصد ابن أبي عتيق وكان أكثر أهل زمانه مروءة في ذلك، فجاء إلى الحسن والحسين وأعلمهما أن له حاجة عند زوج لبنى وطلب أن ينجداه عليه فمضيا معه حتى اجتمعوا به وكلموه في ذلك فقال سلوا ما شئتم فقال له ابن أبي عتيق أهلاً كان أو مالاً قال نعم، فقال أريد أن تطلق لبنى ولك ما شئت عندي فقال أشهدكم أنها طالق ثلاثاً فاستحيوا منه وعوضه الحسن مائة ألف درهم وقال له لو علمت الحاجة ما جئت.
وروى أن لبنى عاتبت قيساً على تزويج الفزارية فحلف لها أن عينيه لم تكتحل برؤيتها ولم يكلمها كلمة واحدة وأنه لو رآها لم يعرفها وأخبرته لبنى أنها كاره زوجها وأعلمته أنها لم تتزوجه رغبة فيه بل شفقة على قيس حين أهدر دمه ليخلى عنها فطلقها حين علم ما بينهما وأرسل أخو الفزارية إلى قيس حين أبطا عنه يسأله الرجوع فأعاد الرسول بالخيار في أمر اخته فاختار الرجل عدم الفرقة
و يقال أن قيس قصد معاوية فمدحه فرق له وكان ذلك قبل طلاق لبنى فقال له إن شئت كتبت إلى زوجا بطلاقها فقال لا ولكن ائذن لي أن أكون ببلدها ففعل فنزل قيس حين زال هدر دمه بحبها وضاعف مدائحه فيها حتى غنى بها المغني معبد والغريض و اضرابهما فرق الناس له وأخذوا يلهجون بسيرته و يتناقلون أخر أخباره .
و يقال أنه عاد و تزوجا بعد طلاقها بطلب من ابن أبي عتيق و بقيا معا ً إلى أن ماتا بدليل مدح قيس لابن أبي عتيق :

جزى الرحمن أفضل ما يجازى * على الاحسان خيراً من صديق
فقد جربت إخواني جميعاً * فما ألفيت كابن أبي عتيق
سعى في جمع شملي بعد صدع * ورأى حدت فيه عن الطريق
وأطفأ لوعة كانت بقلبي * أغصتني حرارتها بريقي

و منهم من قال أن لبنى ماتت في العدة و أن مدح قيس هذا كان لما تأكد أن لبنى مضت عليها العدة .
وأن قيساً خرج حين بلغه موتها فوقف على قبرها وأنشد:

ماتت لبينى فموتها موتي * هل ينفعن حسرة على الفوت
إني سأبكي بكاء مكتئب * قضى حياة وجداً على ميت

ثم بكى حتى أغمي عليه فحمل ومات ودفن إلى جانبها وله أشعار كثيرة
ومنها:

لقد عنيتني يا حب لبنى * فقع إما بموت أو حياة ِ
فإن الموت أيسر من حياة * منغصة لها طعم الشتات ِ
وقال الآمرون تعز عنها * فقلت ولا إذا حانت وفاتي

ومنها:

نهاري نهار الناس حتى إذا بدى * لي الليل هزتني إليك المضاجع
أقضي نهاري بالحديث وبالمنى * ويجمعني بالليل والهم جامع
إذا نحن أنفدنا البكاء عشية * فموعدنا قرن من الشمس طالع
وللحب آيات تبين للفتى * شحوب وتبري من يديه الأشاجع
وما كل ما منيت نفسك خالياً * تلاقي ولا كل الذي أنت تابع
تداعت له الأحزان من كل وجهة * فحن كما حن الطيور السواجع
أراك اجتنبت الحي من غير بغضة * ولو شئت لم تجنح إليك الأصابع
كأن بلاد اللّه ما لم تكن بها * وإن كان فيها الناس قفر بلاقع
ألا إنما أبكي لما هو واقع * وهل جزع من وشك بينك نافع
أحال عليّ الدهر من كل جانب * ودامت ولم تقلع على الفجائع
فمن كان محروقاً غدا لفراقنا * مذ الآن فليك لما هو واقع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
أحباب الروح
أحلى الخبراء
أحلى الخبراء
avatar

أحترام قوانين المنتدى
عدد المساهمات : 6177
تاريخ التسجيل : 13/07/2009
الموقع : مؤسسة أمل حياتي
منتديات روح السويداء
الأوسمة وسام العطاء
الأوسمة .2. وسام الحضور المميز
لا تنسى ذكر الله لا تنسى ذكر الله

مُساهمةموضوع: رد: قصص و لطائف الأقدمين   السبت يونيو 05, 2010 9:32 am

مشكور يا غالي
على هذة القصص النيرة والمفيدة
سلمت يداك يا غالي
أنااا هنااا بين أصابع أناملك الذهبية
تحيااتي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
النسيم الطيب
عضو مبتدىء
عضو مبتدىء
avatar

أحترام قوانين المنتدى
عدد المساهمات : 50
تاريخ التسجيل : 12/05/2010
منتديات روح السويداء
لا تنسى ذكر الله لا تنسى ذكر الله

مُساهمةموضوع: رد: قصص و لطائف الأقدمين   السبت يونيو 05, 2010 11:59 pm

الشكر كل الشكر لك أحباب الروح
أرجو أن أكون قد قدمت المفيد و المسلي معا ً
بفضل هذا الدعم أبقى
تحياتي الرقيقة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
النسيم الطيب
عضو مبتدىء
عضو مبتدىء
avatar

أحترام قوانين المنتدى
عدد المساهمات : 50
تاريخ التسجيل : 12/05/2010
منتديات روح السويداء
لا تنسى ذكر الله لا تنسى ذكر الله

مُساهمةموضوع: رد: قصص و لطائف الأقدمين   الأحد يونيو 06, 2010 12:02 am

أخبار قيس ولبنى

هو قيس بن ذريح بن سنة، يتصل نسبه ببكر بن عبد مناة عذري وهو من خزاعة واسم أبيه علي أو هو جده، وكان ينزل بظاهر المدينة وهو رضيع الحسين بن علي بن أبي طالب، وسبب علاقته بلبنى بنت الحباب الكعبية أنه مر ببني كعب ذات مرة و الحر محتدم فاستسقى الماء من إحدى خيامهم , فبرزت له فتاة مديدة القامة بهية الطلعة عذبة الكلام سهلة المنطق فناولته وعاء ماء، فلما ارتوى قالت له : هل تتفيئ عندنا، وقد تمكنت من فؤاده فقال : نعم، فمهدت له البساط واستحضرت ما يحتاج إليه حتى جاء أباها , فلما وجده رحب به ونحر له جزوراً وأقام عندهمطوال اليوم ثم انصرف وهو أشغف الناس بها , فجعل يكتم ذلك إلى أن غلب عليه فنطق فيها بالأشعار وشاع ذلك عنه وأنه مر بها ثانياً فنزل عندهم وشكا إليها حين تخاليا ما نزل به من الوجد فوجد عندها أضعاف ذلك ما عنده فانصرف وقد علم كل واحد ما عند الآخر.
فمضى إلى أبيه فشكا إليه فقال له دع هذه وتزوج بإحدى بنات عمك، فغم منه وجاء إلى أمه فكان منها ما كان من أبيه فتركهما وجاء إلى الحسين بن علي وأخبره بالقصة فرثى له والتزم له أن يكفيه هذا الشان.
فمضى معه إلى أبي لبنى فسأله في ذلك فأجابه بالطاعة، وقال يا ابن رسول الله لو أرسلت لكفيت، بيد أن هذا من أبيه أليق كما هو عند العرب فشكره ومضى إلى أبي قيس.
وعندما علم الحسين بن علي انقباض أبي قيس عن ذلك، جاء إليه حافياً على حر الرمل ، وكان ذريح ملياً فمضى مع الحسين حتى زوج قيساً بلبنى. و يقال أن الحسين عليه السلام دفع المهر من ماله .
أقام قيس و لبنة مدة مديدة على أرفع ما يكون من أحسن الأحوال ومراتب الاقبال، وفنون المحبة و الإدلال .
وكان قيساً على أبلغ ما يكون من أنواع البر بأمه فشغله الانهماك مع لبنى عن بعض ذلك فحسنت لأبيه التفريق بينهما فقالت له يوماً لو زوجته بمن تحمل لتجيء بولد كان أبقى لنسبك واحفظ لبيتك ومالك، وأنهما عرضا على قيس ذلك فامتنع امتناعاً يؤذن باستحالة ذلك، وأقام يقاومهما عشر سنين إلى أن أقسم أبوه لا يعلوه سقف أو يطلق قيس لبنى. فكان إذا اشتد الهجير يجيئه فيلظيه بردائه ويصطلي هو حتى يجيء الفيء فيدخل إلى لبنى فيتعانقان ويتباكيان وهي تقول له لا تفعل فتهلك إلى أن قدر أن طلقها، فلما أزمعت الرحيل, جاء وقد قوضوا خيامها فسأل الجارية عن أمرهم فقالت سل لبنى فأتى إليها فمنعه أهلها وأخبروه أنها غد ترحل إلى أهلها فسقط مغشياً عليه، فلما أفاق أنشد:

وإني لمفن دمع عيني بالبكى * حذار الذي قد كان أو هو كائن
وقالوا غداً أو بعد ذاك بليلة * فراق حبيب لم يبن وهو بائن
وما كنت أخشى أن تكون منيتي * بكفيك إلا أن ما حان حائن

ثم وقال :

يقولون لبنى فتنة كنت قبلها * بخير فلا تندم عليها وطلق
فطاوعت أعدائي وعاصيت ناصحي * وأقررت عين الشامت المتملق
وددت وبيت اللّه أني عصيتم * وحملت في رضوانها كل موثق
وكلفت خوص البحر والبحر زاخر * أبيت على اثباج موج مفرق
كأني أرى الناس المحبين بعدها * عصارة ماء الحنظل المتفلق
فتنكر عيني بعدها كل منظر * ويكره سمعي بعدها كل منطق

وسقط غراب بحيث ينظره فنعق حين رحيلها فأنشد:

لقد نادى الغراب ببين لبنى * فطار القلب من حذر الغراب
وقال غداً تباعد دار لبنى * وتنأى بعد ود واقتراب
فقلت تعست ويحك من غراب * وكان الدهر سعيك في تباب

وتبعها حين ارتحلت ينظر إليها، فلما غابت رجع يقبل الطريق التي رحلت منه ، فلاموه على ذلك فأنشد:

وما أحببت أرضكم ولكن * أقبل أثر من وطىء الترابا
لقد لاقيت من كلفي بلبنى * بلاء ما أسيغ له الشرابا
إذا نادى المنادي باسم لبنى * عييت فلا أطيق له جوابا

ولما أجنه الليل أوى إلى مضجعه فلم يطق قرارا ً فجعل يتململ ويتمرغ في موضعه ويقول:

بت والهم يا لبينى ضجيعي * وجرت مذ نأيت عني دموعي
وتنفست إذ ذكرتك حتى زالت اليوم عن فؤادي ضلوعي
يا لبينى فدتك نفسي وأهلي هل لدهر مضى لنا من رجوع

ويقول :

قد قلت للقلب لا لبناك فاعترف * قضت لبانة ما قضيت فانصرف
قد كنت أحلف جهدي لا أفارقها * أُف ٍ لكثرة زيف القيل والحلف
حتى تكنفني الواشون فافتلتت * لا تأمنن أبداً من غش مكتنف
هيهات هيهات قد أمست مجاورة * أهل العقيق وأمسينا على سرف
حيّ يمانون والبطحاء منزلها * هذا لعمرك شكل غير مؤتلف

وأرسلت إليه يوماً أمه بنات يذكرن لبنى بالعيب عنده ويلهينه بالتعرض إلى وصلهن فأنشد:
يقر لعيني قربها ويزيدني * بها عجباً من كان عندي يعيبها
وكم قائل قد قال تب فعصيته * وتلك لعمري توبة لا أتوبها
فيا نفس صبر الست واللّه فاعلمي * بأول نفس غاب عنها حبيبها

فوطن البيت , ولم يفارقه ، ولما اشتد شوقه وزاد غرامه أفضى به الحال إلى مرض ألزمه الوساد واختلال العقل واشتغال البال، فلام الناس أباه على سوء فعله فجزع وندم وجعل يتلطف به، فأرسل له طبيبا ًو مداويات , يسألون عن حاله ويلهونه، فلما أطالوا عليه أنشد:
عند قيس من حب لبنى ولبنى * داء قيس والحب صعب شديد
فإذا عادني العوائد يوماً قالت العين لا أرى من أريد
ليت لبنى تعودني ثم أقضي أنها لا تعود فيمن يعود
ويح قيس لقد تضمن منها داء خبل فالقلب منه عميد

فقال له الطبيب كم لها هذه العلة بك ومتى كلفت بهذه المرأة فقال
:
تعلق روحي روحها قبل خلقنا * وليس إذا متنا بمنفصم العقد
فزاد كما زدنا وأصبح نامياً * وليس إذا متنا بمنصم المهد
ولكنه باق على كل حادث * وزائرتي في ظلمة القبر واللحد

فقال إنما يسليك عنها تذكر ما فيها من المساوي والمعايب وما تعافه النفس فقال:

إذا عبتها شبهتها البدر طالعاً وحسبك من عيب لها شبه البدر
لقد فضلت لبنى على الناس مثل ما على ألف شهر فضلت ليلة القدر
إذا ما شئت شبراً من الأرض أرجفت من البحر حتى ما تزيد على شبر
لها كفل يرتج منها إذا مشت * ومتن كغصن البان منضمر الخصر
وأن أباه دخل وهو يخاطب الطبيب بذلك فجعل يؤنبه ويلومه، فلما لم يفد ذلك عرض عليه التزويج فأنشد :
لقد خفت أن لا تقنع النفس بعدها * بشيء من الدنيا وإن كان مقنعا
وازجر عنها النفس إن حيل دونها * وتأبى إليها النفس إلا تطلعا

فلما أيس منه استشار قومه في دائه فاتفقت آراؤهم على أن يأمروه بالتجوال في أحياء العرب فلعله تقع عينه على امرأة تستميل عقله فاقسموا عليه أن يفعل ففعل وأنه اتفق أن نزل بحي من فزارة فرأى جارية قد حسرت عن وجهها برقع خز وهي كالبدر حسناً وبهجة فسألها عن اسمها فقالت لبنى فسقط مغشياً عليه فارتاعت منه ونضحت وجهه بالماء وقالت إن لم تكن قيساً لبنة فأنت مجنون.
فلما أفاق استنسبته فإذا هو قيس فأقسمت عليه أن ينال من طعامها، فتناول قليلاً ثم ركب و غادر الحي , فجاء أخوها على أثره فأعلمته القصة فركب حتى استرده وأقسم عليه أن يقيم عنده شهراً، فكان الفزاري يعجب به ويعرض عليه الصهارة حتى لامته العرب وقالوا نخشى أن يصير فعلك سنة فيقول دعوني في مثل هذا الفتى , وقيس يقول له إن فيكم الكفاية ولكني في شغل لا ينتفع بي معه شيئ ً , فألح عليه حتى عقد له على أخته ودخل بها فأقام معها أياماً لا تهش نفسه إليها ولا يكلمها ثم استأذن في الخروج إلى أهله فأذنوا له فخرج إلى المدينة وكان له بها صديق فأعلمه أن لبنى قد بلغها تزويجه فغمت لذلك وقالت إنه لغدار وإني طالما خطبت .
و كان أبا لبنى قد اشتكى قيساً إلى معاوية وإنه يشبب بابنته فكتب إلى مروان بهدر دمه وأمره أن يزوج ابنته بخالد بن خلدة الغطفاني وهو كندي حليف قريش فجعل النساء ليلة زفافها يغنينها:
لبينى زوجها أصبح * لا حر يوازيه
له فضل على الناس * وقد باتت تناجيه
وقيس ميت حقاً * صريع في بواكيه
فلا يبعده اللّه * وبعداً لنواعيه
ولما بلغ ذلك قيساً اشتد به الغرام فركب حتى أتى محلة قومها فقالت له النساء ما تصنع هنا وقد رحلت لبنى مع زوجها فلم يلتفت حتى أتى موضع خبائها فتمرغ به وأنشد:

إلى اللّه أشكوا فقد لبنى كما شكا * إلى اللّه بعد الوالدين يتيم
يتيم جفاه الأقربون فجسمه * نحيل وعهد الوالدين قديم

وأنشد حين بلغه هدر دمه:

فإن يحجبوها أو يحل دون وصلها * مقالة واش أو وعيد أمير ِ
فلن يمنعوا عينيّ من دائم البكا * ولن يذهبوا ما قد أجن ضميري
إلى اللّه أشكو ما ألاقي من الهوى * ومن كرب تعتادني وزفير ِ
ومن حرق للحب في باطن الحشا * وليل طويل الحزن غير قصير ِ
سأبكي على نفسي بعين غزيرة * بكاء حزين في الوثاق أسير ِ
وكنا جميعاً قبل أن يظهر النوى * يا نعم حالي غبطة وسرور ِ
فما برح الواشون حتى بدت لنا * بطون الهوى مقلوبة بظهور ِ
لقد كنت حسب النفس لو دام وصلنا * ولكنما الدنيا متاع غرور ِ

وقال أيضاً:

وإن تك لبنى قد أتى دون قربها * حجاب منيع ما إليه سبيل
فإن نسيم الجو يجمع بيننا * ونبصر قرن الشمس حين تزول
وأرواحنا بالليل في الحين تلتقي * ونعلم أنا بالنهار نقيل
وتجمعنا الأرض القرار وفوقنا * سماء نرى فيها النجوم تجول
إلى أن يعود الدهر سلما وتنقضي * ترات يرها عندنا وذحول

وحجت لبنى في تلك السنة فاتفق خروجه أيضاً فتلاقيا فأبهت وأرسلت إليه مع امرأة تستخبره عن حاله وتسلم عليه فأعاد السلام والسؤال وأنشد:

إذا طلعت شمس النهار فسلمي * فإني يسليني عليك طلوعها
بعشر تحيات إذا الشمس أشرقت * وعشر إذا اصفرت وحان رجوعها
ولو أبلغتها جارة قولي أسلمي * طوت حزناً وارفض منها دموعها

وحين انقضى الحج مرض مرضاً أنهكه فأكثر الناس من عيادته فجعل يتكفر لبنى وعدم رؤيته لها فأنشد:

ألبنى لقد جلت عليك مصيبتي * غداة غد إذ حل ما أتوقع
تمنيني نيلاً وتلويني به * فنفسي شوقاً كل يوم تقطع
ألومك في شأني وأنت مليمة * لعمري وأجفى للمحب وأقطع
وأخبرت أني فيك مت بحسرة * فما فاض من عينيك للوجد مدمع
إذا أنت لم تبكي عليّ جنازة * لديك فلا تبكي غداً حين أرفع

فحين بلغتها الأبيات جزعت جزعاً شديداً وخرجت إليه خفية على ميعاد فاعتذرت عن الانقطاع , وأعلمته أنها إنما تترك زيارته خوفاً عليه أن يهلك وإلا فعندها ما عنده ولكنها جلدة و صبورة .
ويروى أن قيساً انتقى ناقة من إبله وقصد المدينة ليبيعها فاشتراها زوج لبنى وهو لا يعرفه، ثم قال له ائتني غداً في دار كثير بن الصلت أقبضك الثمن، فجاء وطرق الباب فأدخله وقد صنع له طعاماً وقام لبعض حاجاته،فقالت المرأة لخادمتها سليه ما بال وجهه متغيراًشاحباً فتنفس الصعداء، ثم قال هكذا حال من فارق الأحبة. فقالت استخبريه عن قصته فاستخبرته فشرع يحكي أمره فرفعت الحجاب وقالت حسبك قد عرفنا حالك فبهت حين عرفها لا ينطق ساعة، ثم خرج لوجهه فاعترضه الرجل وقال ما بالك عدلت قبض مالك وإن شئت زدناك، فلم يكلمه ومضى فدخل الرجل فقالت له ما هذا الذي فعلت إنه لقيس فحلف أنه لا يعرفه، وأنشد قيس معاتباً لنفسه:

أتبكي على لبنى وأنت تركتها * وكنت عليها بالملا أنت أقدر
فإن تكن الدنيا بلبنى تقلبت * فللدهر والدنيا بطون وأظهر
كأني في أرجوحة بين أحبل * إذا فكرة منها على القلب تخطر

وقيل أنه حين جاء ليقبض ثمن المطية رأى لبنى فعاد مبهوتاً فسأله الرجل فقال له لا تركب لي مطيتين فقال أنت قيس قال نعم قال ارجع لنخيرها فإن اختارتك طلقتها وظن الرجل أنها تبغض قيساً فخيرها فاختارت قيساً فطلقها لوقته.
ويحكي أن سبب طلاقها أن قيساً قصد ابن أبي عتيق وكان أكثر أهل زمانه مروءة في ذلك، فجاء إلى الحسن والحسين وأعلمهما أن له حاجة عند زوج لبنى وطلب أن ينجداه عليه فمضيا معه حتى اجتمعوا به وكلموه في ذلك فقال سلوا ما شئتم فقال له ابن أبي عتيق أهلاً كان أو مالاً قال نعم، فقال أريد أن تطلق لبنى ولك ما شئت عندي فقال أشهدكم أنها طالق ثلاثاً فاستحيوا منه وعوضه الحسن مائة ألف درهم وقال له لو علمت الحاجة ما جئت.
وروى أن لبنى عاتبت قيساً على تزويج الفزارية فحلف لها أن عينيه لم تكتحل برؤيتها ولم يكلمها كلمة واحدة وأنه لو رآها لم يعرفها وأخبرته لبنى أنها كاره زوجها وأعلمته أنها لم تتزوجه رغبة فيه بل شفقة على قيس حين أهدر دمه ليخلى عنها فطلقها حين علم ما بينهما وأرسل أخو الفزارية إلى قيس حين أبطا عنه يسأله الرجوع فأعاد الرسول بالخيار في أمر اخته فاختار الرجل عدم الفرقة
و يقال أن قيس قصد معاوية فمدحه فرق له وكان ذلك قبل طلاق لبنى فقال له إن شئت كتبت إلى زوجا بطلاقها فقال لا ولكن ائذن لي أن أكون ببلدها ففعل فنزل قيس حين زال هدر دمه بحبها وضاعف مدائحه فيها حتى غنى بها المغني معبد والغريض و اضرابهما فرق الناس له وأخذوا يلهجون بسيرته و يتناقلون أخر أخباره .
و يقال أنه عاد و تزوجا بعد طلاقها بطلب من ابن أبي عتيق و بقيا معا ً إلى أن ماتا بدليل مدح قيس لابن أبي عتيق :

جزى الرحمن أفضل ما يجازى * على الاحسان خيراً من صديق
فقد جربت إخواني جميعاً * فما ألفيت كابن أبي عتيق
سعى في جمع شملي بعد صدع * ورأى حدت فيه عن الطريق
وأطفأ لوعة كانت بقلبي * أغصتني حرارتها بريقي

و منهم من قال أن لبنى ماتت في العدة و أن مدح قيس هذا كان لما تأكد أن لبنى مضت عليها العدة .
وأن قيساً خرج حين بلغه موتها فوقف على قبرها وأنشد:

ماتت لبينى فموتها موتي * هل ينفعن حسرة على الفوت
إني سأبكي بكاء مكتئب * قضى حياة وجداً على ميت

ثم بكى حتى أغمي عليه فحمل ومات ودفن إلى جانبها وله أشعار كثيرة
ومنها:

لقد عنيتني يا حب لبنى * فقع إما بموت أو حياة ِ
فإن الموت أيسر من حياة * منغصة لها طعم الشتات ِ
وقال الآمرون تعز عنها * فقلت ولا إذا حانت وفاتي

ومنها:

نهاري نهار الناس حتى إذا بدى * لي الليل هزتني إليك المضاجع
أقضي نهاري بالحديث وبالمنى * ويجمعني بالليل والهم جامع
إذا نحن أنفدنا البكاء عشية * فموعدنا قرن من الشمس طالع
وللحب آيات تبين للفتى * شحوب وتبري من يديه الأشاجع
وما كل ما منيت نفسك خالياً * تلاقي ولا كل الذي أنت تابع
تداعت له الأحزان من كل وجهة * فحن كما حن الطيور السواجع
أراك اجتنبت الحي من غير بغضة * ولو شئت لم تجنح إليك الأصابع
كأن بلاد اللّه ما لم تكن بها * وإن كان فيها الناس قفر بلاقع
ألا إنما أبكي لما هو واقع * وهل جزع من وشك بينك نافع
أحال عليّ الدهر من كل جانب * ودامت ولم تقلع على الفجائع
فمن كان محروقاً غدا لفراقنا * مذ الآن فليك لما هو واقع

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
دمعة ألم
الإدارة
الإدارة
avatar

أحترام قوانين المنتدى
عدد المساهمات : 6070
تاريخ التسجيل : 13/06/2009
الموقع : sweida-soul.7olm.org
منتديات روح السويداء
قائد الثورة سلطان باشا الاطرش
لا تنسى ذكر الله لا تنسى ذكر الله

مُساهمةموضوع: رد: قصص و لطائف الأقدمين   الأحد يونيو 06, 2010 6:37 am

جميلٌ ما تأتينا به أخي الكريم النسيم الطيب

مميزٌ محتوىً ومضمونا

ولا زلت من متابعينك

بكل فخر


ناني
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
قصص و لطائف الأقدمين
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
السويداء_مملكة ومنتديات روح السـويـداء  :: منتديات الأدبية والثقافية :: منتدى الشعر القديم و المنقول-
انتقل الى: